تقريح العصا في الرق و النخاسة و الخصا - كاشف الغطاء، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٢١٢ - عادات الأحباش والزنوج وخرافاتهم
وأزتر وصرخ ثم عدا لا يلوي على شيء والحاضرون من ورائه ينهبون الأرض عدوا حتى ينتهي شوطه إلى موضع يضطجع عليه، فإذا فتشوا ذلك الموضع ومن حوله وجدوا السرقة كما يقولون، ثم حشدوا كل متهم باقتراف السرقة وعزلوه في محضر خاص وأعيد كل ما جرى فينطلق إلى المتهمين ويدور حولهم ويشق أوساطهم ويجول ما بينهم متجهاً إلى أن يقف أمام أحدهم ويصفعه بكلتا يديه ويضربه ضرباً مبرحاً ثم يمسكه الحاضرون فيقر المتهم بالسرقة ويلزم بأدائها وإذا خاضَ الصبي في ماء في طريقه فسد العمل، فأما أن يعدل به عن ذلك، أو يحمل حتى لا تبتل قدماه[١].
قال المقريزي: وعند الحبشة على ما يعتقدون سحرة يمنعون الريح أن تهب فيأمر الخطي وهو لقب النجاشي ومعناه سلطان الحبشة والنيل رجاله أن يضربوهم ضرباً مبرحاً حتى يعيدوا الريح إلى هبوبها، وهم
[١] ويقولون عن الزنوج الذين يسكنون غابات وأحراش غينيا الذين يسمون( الكابوكو) لهم بشرة سمراء غامقة ويشبهون في هيئتهم إنسان العصر الحجري، ولهم عيدٌ في اليوم الثاني والعشرين من نيسان يسمى بعيد الخنزير. ومحل الرقص يعج بالناس من كل حدب وصوب يبلغ ما يحضره من ٢٠٠٠ رجل و ٥٠٠ امرأة وكان بعضهم ذا لون أسود والبعض الآخر أحمر. وقد ثقب عدد كبير منهم أنوفهم وأدخلوا فيها أسنان الخنزير أو عود أو قطعة عظم وتتركز زينة النساء في أنوفهن ويضع الرجال الريش في شعرهم ويحمل رئيسهم ريشاً من طير عصفور الجنة، وكانوا يلبسون قطعة صغيرة من القماش تستر عوراتهم ويستمر الرقص طول الليل وقد نحرت الخنازير وعرضت على النيران ويحمل أحدها إلى المرقص ويبدؤون بالدوران حوله ثم تتعاقب الجماعات الواحدة تلو الأخرى للدوران حوله وهم يرتلون أغاني العيد، ومن ثم يدفنون اللحم في الأرض وتوضع اوراق الأشجار عليه ثم تشعل إلى أن ينضج الشواء ويتميزون بكثرة الأكل إذ أنهم يستمرون في الأكل ما دام هنالك شيء يوكل. ولذلك ترى كروشهم قد تهدلت لدرجة لا تصدق. فلم يستطيعوا الاستمرار في الرقص في ذلك الليل لأن معدهم على وشك أن تنفجر من كثرة الأكل فأقتصر الليل على الغناء فقط.
ويكون إلى جانب حلبة الرقص ما لا يقل عن( ٤) بيوت للمدعوين وقد أنتشر الكابوكو هنا وهناك، واجتمع بعضهم حول النيران يأكلون ويدخنون وفي بيوت الضيافة تشد الخنازير من أرجلها وتربط في عمود.
ويسكن الكابوكو في أكواخ متواضعة مليئة بالرطوبة والبراغيت تنتشر بينهم أمراض الروماتيزم وذات الرئة وأمراض الغدد والملاريا. ولا تثق نساء الكابوكو بالرجل الأبيض حتى ولو كان طيباً، فقد رفضت إحداهن مساعدة طبيب في ولادتها. ولا تضع المرأة مولودها في الكوخ بل خارجه وإذا أمطرت السماء فأنهم يبنون سقيفة من الأوراق خارج الكوخ لتضع فيه المرأة وليدها. وإذا انتهت من الوضع تقوم بنفس اليوم لإدارة شؤونها كالعادة. ولا تفرق الكابوكو بين الرجال والمرأة، وقسم منهم يفضل البنت على الولد لما يكسبونه من منافع مادية عند زواجها. وفي الأراضي السفلى من غينيا تقوم العائلة بقتل التوائم ويبررون هذه العادة بأنهم يعتقدون أن الأرواح الشريرة تحل في أحد التوائم ولا بد من قتله فكيف يُهتدى إلى ذلك، قد يلاحضون على أحدهم إمارات معينة فيقع عليه الاختيار ويقتل في الحال، وإذا لم يستطيعوا تمييز التوأم الذي حلت فيه الأرواح الشريرة فإنهم يقتلون الاثنين معاً إتقاء للخطأ. وقد حدث أن ولد توءمان ميتان فطغى السرور على وجه الأب والأم وعلى الأصدقاء لهذا الخبر السار. ولكل عائلة منهم معدل ستة أو سبعة أطفال ولبعضها تسعة وإذا لم تستطع الأم أن ترضع طفلها فلن يخطر ببالها أن ترضعه من امرأة أخرى بل تفضل موته على ذلك.
ويصاحب الأطفال أمهاتهم إلى الحقول أو في قوارب الصيد، وترغب الصبيان في صيد السرطان، أما اللعبة المفضلة لدى الصبيان فهي لعبة القوس والنشاب. وعندما ترحل العائلة من مكان إلى آخر تضع أطفالها في الزنابيل إذا كانوا صغاراً ويحملون على أكتافهم إذا كانوا كباراً أو يجرون خلفهم. وعندما يبلغ الطفل سن السادسة أو السابعة يتردد على بيت الرجال، وإذا بلغ الثانية عشر من عمره فإنه يشترك في الحروب التي تخوضها عشيرته. ويقوم الرجال الطاعنون في السن منهم بدور السحرة، كما يوجد بعض السحرة المحترفين الذين يحظون بقسط وافر من الاحترام.
ويعتقد الكابوكو بوجود الأرواح الشريرة والأرواح الطيبة، ويظنون بأن الكون مليء بالأرواح، وأن الأرواح الشريرة هي التي تجلب المرض للإنسان وعليه أن يخرجها من جسده. فإذا غرق أحدهم في النهر فإنهم يعتقدون بأن( مادن) آلهة الشر الساكن في الماء قد جره إليه وقتله. وإذا انتفخت بطن الميت بعد موته فإنهم يعتقدون بأن الروح الشريرة التي قتلته ما تزال في جوفه تفتش عن ضحية جديدة لها. وإذا أصيب أحدهم بضربة قوس وتركت جرحاً عميقاً فيه، يأتي الساحر لمعالجته فيثقب جسم هذا الشخص من الجهة المقابلة للجرح ليخرج الهواء منه فيطرد الروح الشريرة من الجسد، حتى ولو أدت هذه العملية إلى موت الجريح. ويغطي الجرح بأوراق خضراء وينتظر خروج القيح منه، وعند ذلك يصيح الساحر بأعلى صوته- انظروا ما تعمله الروح الشريرة- فإذا شفي المريض فيعني ذلك خروج الروح الشريرة منه، وإذا توفي فينسب ذلك لها أيضاً. وتظل سمعة الساحر الطبية سليمة.
يحترم الكابوكو الطاعنين في السن وإذا ما عجزوا عن العمل تعهد إليهم مهمة المحافظة على الأطفال كما أن لهم أهمية كبيرة لأنهم يعرفون أكثر من الشبان عن السحر والأرواح الشريرة والمرض، وهم أدرى من غيرهم بحل المشاكل العسيرة ويكونون موضع الأستشارة. وإذا توفى أحد الكابوكو تطرح جثته على منصة ومن ثم تحرق على ضفة النهر. وقد شيّد بعض الرهبان الكنائس بينهم لنشر الدين الكاثوليكي واستطاعوا كثلكة بعضهم، كما أسست بعض المدارس لهم، وهناك بعض الأطباء يساعدونهم للقضاء على الأمراض.
ويقولون عن الزنوج الذين يقطنون في أحراش الملايو إنهم يشيدون مساكنهم بطريقة تعاونية. فيقوم الرجال بجلب سيقان الخيزران الغليظة وسعف النخيل من الغابات لبناء هيكل الدار، بينما تقوم النساء والأطفال بتنظيف المكان المعد للبناء. ولا يتجاوز ارتفاع البيت( ٣) أمتار على الأغلب، وبعد إنجاز الدار تجري الاستعدادات للقيام بحفلة راقصة لتدشين الدار. ويظل الأطفال لمدة طويلة يعتمدون على حليب أمهاتهم ولا يفطم الرضيع إلا بعد بلوغه السنة الرابعة، ولكنه رغم ذلك يبدأ بتناول الرز منذ الشهر السادس أو السابع من عمره. ومن المألوف جداً أن ترى الطفل يترك ثدي أمه ليأخذ السيكارة من يدها فيأخذ نفساً منها ويعيدها إلى أمه، ويقوم الأطفال بألعاب خاصة. ويذهب بعض الأطفال إلى المدرسة لتعلم القراءة والكتابة ويقبل الطلاب على الدراسة بفهم عجيب وعند عودتهم إلى بيوتهم يلقون ما درسوه على أهلهم، ويسلك الأطفال سلوكاً طيباً ونادراً ما يعاقبون. ويقول بعض الكتاب عنهم: قبل مغادرتي إلى حفلة راقصة وقد اتخذت الاستعدادات منذ الصباح الباكر، إذ أن على جميع الراقصات أن يحلقن شعرهن حلاقة خاصة لهذه الحفلة، فيخرجن وقت الفجر إلى الغابات ليجلبن الأزهار وسعف النخيل ثم يضفرن جدائلهن بواسطة الحشائش، ويرتدي بعضهن عمامة سوداء ويقمن بمكياج خاص فيستعملن مختلف ألوان الحشائش الصفراء والحمراء والبيضاء، وتبيع بعض الحوانيت صبغ أحمر للشفاه. وتلبس النساء الوتيان ولكن من النادر أن تلبسه الفتيات اللواتي اعتدن الظهور أمام الناس عاريات الصدور. ويلبس الفتيان والفتيات النطق القطنية ذات الألوان الصارخة، ويضاء محل الرقص بالشموع وكان الأوركسترا على أهبة الاستعداد للعزف عند وصولنا. ويسقط أحياناً بعض الراقصين من فرط الأعياء أو عدم النوم من أثر الموسيقى، وإذا حدث هذا الشيء يقوم الأخرون بمساعدته إذ لا بد من مشاركته في الحفلة التي تستمر حتى مغيب شمس ذلك اليوم.
يقتات هؤلاء على الرز ذي النوع الرديء الذي لا يحتوي على مواد عذائية، وهذا هو أحد أسباب سوء التغذية التي تؤدي إلى إنتشار الأمراض بين السكان، ويقوم الرجال أحياناُ بصيد الأسماك والسناجب والقرود والماعز البري والخنازير، ومعظم الزنوج لا يصنعون أسلحتهم بل يشترونها، ويحمل الصياد حقيبة تسع( ١٠٠) نشاب وتكون ذات أنواع مختلفة، فمنها ما هو معد لقتل الطيور والأخر لقتل النمور. ويتراوح عددهم بين( ٥٠) و( ٦٠) ألف شخص، وتأريخهم ما زال غامضاً فهم من عدة قبائل تختلف في عاداتها ولغاتها ودينها، وتستحوذ الخرافات على عقولهم: فإذا سقط أحدهم مريضاً يأتي الساحر لمعالجته بالأرواح الطيبة، فيوضع المريض في بيت من القصب تحيط به الأزهار والأثمار من كل جانب وأمام الدار توجد صورة إنسان يحمل بندقية. كل ذلك اتقاء من الأرواح الشريرة، ويبدأ الساحر بالتكلم مع الأرواح الطيبة من خلال القصب المقوس لكي توحي إليه الطريقة التي يجب أن يتبعها لمعالجة المريض. وبعد المعالجة يأخذ المريض والطبيب والقصب حماماً بوضعهم في الماء وفي حالة شفاء المريض يأخذ- الدكتور- أجرته التي تكون من المواد الغذائية والتبغ.
وقسم من هؤلاء الزنوج يعتنقون الديانة الإسلامية التي هي دين الملايين في الملايو فتمتنع هذه الجماعة عن أكل الخنزير. ويعتنق أغلب الزنوج الدين الروحي المتصل بقدسية نظر تهم إلى النباتات والأشجار والحيوانات. وينتشر بينهم الدين المسيحي أيضاً. وهناك من يعتقد منهم بوجود جنتين الجنة الواطئة والجنة العالية فتذهب أرواح الموتى الذين يموتون بسبب الحوادث والعنف إلى الجنة الواطئة وأما أرواح الموتى الذين يموتون ميتة طبيعية فإنها تذهب إلى الجنة العالية وهذا يدل على حبهم للمسالمة وكرههم للمجازفة. ويقوم الصينيون بالمتاجرة معهم فيشترون منهم مادة اللبان بثمن بخس ويستغلونهم أسوأ استغلال في المتاجرة معهم، وإذا أفلس أحد التجار فإنه يسكن مع الزنوج ويتزوج امرأة منهم فيتاجر معهم إلى أن يستطيع أن يكون له رأس مالٍ كبير فيتاجر معهم بالتبغ والملابس القطنية والأوعية وما أشبه وأخذ هذا الاستغلال يتلاشى نتيجة للأشراف الحكومي على المنتجات المحلية.