صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٩٨ - المقالة الثالثة في إبطال شبه الجبريين
جريان القاعدة المذكورة في أفعاله، فإنّ علمه بالمصلحة كاعتقادنا بالنفع و شوقنا إليه في عدم إيجاب الفعل و القصد، فكما أنّ اعتقادنا و اشتياقنا لا يوجبان قصدنا كذلك علمه تعالى بالأصلح لا يوجب فعله، و هذا ظاهر، و لا يخفى تحقق الاختيار له تعالى حينئذٍ في مترتبة من المراتب، و هذا بخلاف جريانها في أفعال الممكن، فإنّها و إن و جبت بعد القصد لكنّ القصد نفسه اختياري حدوثاً و بقاءً.
هذا خلاصة كلامنا في تحقيق هذا المقام، و نوصي القارئ الكريم بالتأمل حوله، و لا ينكره بما يبدو له في أول النظر، ليزلّ عن صراط الحق كما زلّ عنه أقوام، و الله الموفق.
و إذا علمت ذلك فقد ظهر لك بطلان الشبهة الثالثة المذكورة، فإن قولهم: «و ذلك المرجح لا يكون من اختيار العبد، و إلا لزم التسلسل في المرجحات» باطل الأساس، إذا أريد بالمرجح الداعي أو الشوق- كما هو ظاهر جماعة منهم حيث يقولون: إنّ الدليل إلزامي للمعتزلة القائلة بامتناع الترجيح بلا مرجح- فقد دريت دراية كاملة عدم ترتب الفعل عليه. و إن أريد به الأعمّ منه و من الإرادة- كما هو ظاهر القوشجي بل صريحه- فقد عرفت عدم لزوم الدول و التسلسل من القول باختيارية الإرادة، و القصد أتمّ عرفان.
ثم إنّ الشبهة المذكورة تنقض بأفعال الله سبحانه و تعالى و لجريانها فيها حرفياً، مع أنّ الخصم لا يظهر الالتزام بإيجابه تعالى، فيكون الدليل فاسداً.
و أمّا دفع هذا النقض بإبداء الفرق بين إرادة الواجب و الممكن، حيث إنّ الثانية حادثة منتهية إلى إرادة يخلقها الله بلا اختيار من العبد دفعاً للتسلسل في الإرادات، و الثانية قديمة غير مفتقرة إلى إرادة أخرى كما عن الرازي، فهو ضعيف؛ لأنّ عدم استقلال العبد في إيجاد إرادته و استقلال الرب في إرادته غير مربوط بمسألة الاختيار و الاضطرار؛ إذ يقال: هل الواجب مع إرادته القديمة يمكنه الفعل و الترك أم لا؟ ... إلى آخر الشبهة، و أمّا الحديث التسلسل فقد عرفت بطلانه، و على ضوء ذلك يسقط ما ذكره العضدي في مواقفه دفاعاً عن النقض المذكور، فلاحظ.
فظهر أنّ هذه الشبهات الواهية لا تقاوم الوجدان في حكمه باستناد أفعالنا إلى إرادتنا، و القرآن في تشريعه و تكليفه و بيان ثوابه و عقابه و وعده و وعيده.
نعم، قالوا[١]: إنّ هذا الذي ذكر إن لزمنا من القول بالجبر فهو لازم لكم أيضاً لوجوه:
١- من جهة علمه تعالى، لأنّ ما علم الله عدمه من أفعاله العبد فهو ممتنع الصدور عن العبد، و إلا جاز انقلاب العلم جهلًا، و ما علم الله وجوده فهو واجب الصدور عن العبد، و إلا لجاز ذلك
[١] - شرح المواقف ٣/ ١٢٥.