صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٨٢ - بقي في المقام مسائل
الثانية: أنّه ضرر على الكافر فإنّه يستوجب دخوله النار و لو بتوسط اختياره.
و جوابه: أنّ عدم ترتب الغاية بسوء اختيار المكلف شيء، و تعلّل فعله بها شيء آخر.
فإنّا نقول: الغرض من التكليف هو جعل المكلف في معرض تحصيل الرحمة و تمكّنه من اكتسابها، و هذا الغرض مترتب على التكليف و لا يمكن انفكاكه عنه، فعدم استفادة المكلف منه و إلقاء نفسه في التهلكة- بمحض اختياره- لا يضرّ بتشريع التكليف.
و حق الجواب و أحسنه: أنّ التكليف ذو مصلحة مهمة يستوجب تكامل النفوس و راحة البال، و الخلود في دار النعيم، كما هو واضح، و الله سبحانه يعلم أزلًا أنّ كثيراً من المكلفين يستوفونها بامتثالهم تلك التكاليف، و كثير منهم لا يستوفونها؛ لتمرّدهم عن الطاعة اختياراً، قال الله تعالى: فَرِيقاً هَدى وَ فَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ[١].
هذا من ناحية، و من ناحية أخرى أنّ التفكيك في التكليف و اختصاصه بالمؤمنين و المتّقين غير ممكن، فإنّ الله سبحانه و تعالى إذا قال: «إنّ من يقبل التكليف و يريد الإيمان و العمل الصالح فهو مكلف، و أمّا من لا يريده و لا يقبله فلا اكلّفه». يسقط التكليف و التشريع عن النفوذ رأسا، إذ لا يقلده إلا الأوحدي من الناس- إن وجد- فبهذا القول قد فوّت التكامل و الثواب على كثير ممن كانوا يؤمنون في فرض كون التكليف عاماً شاملًا، و هذا واضح إن شاء الله، فافهم و اغتنم.
السادس: خلق الكافر، فإنّ الغاية المقررة من إيجاد الإنسان- و هي الرحمة- لا تترتب عليه، و هذا معلوم لله تعالى أزلًا، و ما ذكرناه من الجواب المتقدم لا يجري هنا؛ لإمكان التفكيك في الخلق و التكوين.
و أجيب عنه[٢]: بأنّ تفاوت الماهيات الجنسية و النوعية و الصنفية و الشخصية في أنفسها و لوازمها بنفس ذواتها، لا بجعل جاعل و تأثير مؤثّر، فمنهم شقي و منهم سعيد بنفس ذاته و ما هويته، و حيث كانت الماهيات موجودة في العلوّ الأزلي و طلب بلسان حال استعدادها الدخول في دار الوجود، و كان الواهب الجواد فيّاضاً بذاته غنياً بنفسه، فيجب عليه إفاضة الوجود، و يمتنع عليه الإمساك عن الجود، و حيث الجود بمقدار قبول القابل و على طبق حال السائل كانت الإفاضة عدلًا و صواباً؛ إذ الشيء لا ينافي مقتضاء، فإفاضة الوجود على الماهيات كائنة ما كانت إفاضة على ما يلائم الشيء، حيث إنّ الشيء يلائم ذاته، و ذاتياته و لوازمه و قياسه بإجابة السفيه قياس باطل، إذ السفيه ربما يطلب ما ينافي ذاته، فإجابته خلاف الحكمة، و بخلاف إجابة الماهيات فإنّه لا اقتضاء وراء الذات و الذاتيات، فالاعتراض إن كان بالإضافة إلى مرتبة
[١] - الأعراف/ ٢٨.
[٢] - لاحظ تفصيله في نهاية الدراية ١/ ١٨١ و ١٨٢، و الظاهر أنّه مذهب كثير من الفلاسفة.