صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٩٠ - المقالة الثانية في مسلك الجبر
بصفته، أعني بكونه طاعة و معصية، إلى غير ذلك من الأوصاف التي لا توصف بها أفعاله تعالى، كما في لطم اليتيم تأديباً أو إيذاءً، فإنّ ذات اللطم واقعة بقدرة الله و تأثيره، و كونه طاعة على الأول، و معصية على الثاني بقدرة العبد و تأثيره.
أقول: و جوابه ظاهر، فإنّ هذه الصفة أمر اعتباري ينتزع من موافقة العمل للأمر الشرعي أو نهيه، و لا معنى لتعلق قدرة العبد به، و لو سلّمنا أنّها موجودة يبطل مذهبهم، إذ ثبت مورد استند موجود خارجي إلى اختيار العبد و قدرته مع أنّهم ينكرونه على المعتزلة!
و أيضاً نقول لهم: إذا جوّزتم استناد هذا الموجود المسمّى بالكسب إلى العبد فلم لا تجوّزون استناد أصل الفعل قدرته و إرادته؟ حيث لا فرق بينهما أصلًا، فهل هو إلا تحكّم بارد؟ فقضاوة هذا القاضي الباقلاني أيضاً لم تكسب للكسب نفعاً كما اعترف بعض الأشعريين أيضاً.
و من هنا أراح بعضهم نفسه فقال: إنّ هذا الكسب غير معقول و لا معلوم، مع أنّه صادر عن العبد، و لعلّ هذا هو مراد الغزالي أيضاً من قوله المحكي: إنّ الأفعال مقدورة بقدرة الله تعالى اختراعاً، و بقدرة العبد على وجه آخر من التعلق! يعبّر عنه بالاكتساب.
نعم، للفضل بن روزبهان كلام آخر حول هذا الكسب، و حسب أنّه أتى بما يرتضيه المنصف و ينقاد لصحته المتعسّف! و إليك عبارته[١]: يفهم من كلام الشيخ أنّه فسّر كسب العبد للفعل بمقارنة الفعل لقدرته و إرادته تارةً، و فسّره بكون العبد محلًا للفعل أخرى، و تحقيقه: أنّ الله خلق في العبد إرادة يرجح بها الأشياء، و قدرة يصح بها الفعل و الترك، و من أنكر هذا فقد أنكر أجلى الضروريات عند حدوث الفعل، و هاتان الصفتان موجودتان في العبد، حادثتان عند حدوث الفعل، فإذا تهيّأ العبد بقبول هاتين الصفتين لإيجاد الفعل و ذلك الفعل ممكن و الممكن إذا تعلقت به القدرة و الإرادة و حصل الترجيح فهو يوجد لا محالة بقدم (بتقدم ظ) الإرادة القديمة الدائمة الإلهية و القدرة القديمة، فأوجد الله بهما الفعل لكونهما أتمّ من الإرادة و القدرة الحادثة ... فلمّا أوجد الله تعالى الفعل، و كان قبل الإيجاد تهيّأت صفة اختيار العبد إلى إيجاد ذلك الفعل، و لكن سبقت القدرة الإلهية فأحدثته، فبقي للفعل نسبتان: نسبة إلى العبد و هي أنّ الفعل كان مقارناً لتهيئة الإرادة و الاختيار نحو تحصيل الفعل و حصول الفعل عقيب تهيّؤه، فعبّر الشيخ عن هذه النسبة بالكسب ... و نسبة إلى الله تعالى و هي أنّه كان مخلوق الله تعالى موجوداً منه ... و هذا معنى كون الفعل مخلوقاً لله تعالى مكسوباً للعبد ... إلى آخره.
[١] - إحقاق الحقّ ٢/ ١٢٣.