صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٥٣ - الفصل السادس في دفع بعض ما أورد أو يمكن أن يورد على المختار، و هو أمور
يصلح كما هو المشهود خارجاً.
و هنا نزاع آخر بين الحكماء[١]، فقال الرواقيون: إنّ الناس كلّهم خلقوا في بدو الفظرة على طبيعة الخير، و إنّما يتلوّثون بالشرور لمجاورة الأشرار و ممارسة الشهوات و عدم التأديب، فترسخ طبيعة الشرّ في أنفسهم.
و ذهب جمع ممّن سبقهم إلى الناس خُلقوا من الطينة السافلة و وسخ الطبائع، و الكدورات قد صرفت في مادتهم؛ و لذا ركّزت الشرّ فيهم، قبولهم للخيرات إنما هو من جهة التعليم و التأديب، و منهم من لا يصلح له لشدة شرّيّته، فالتأديب ينفع من ضعفت شرّيّته.
و قال جالينوس: إنّ بعض الناس فطر على طبع أهل الخير، و بعضهم على طبع أهل الشرّ، و البقية متوسّطة بينهما، قابلة للخير و الشرّ، و قال: إنّا نشاهد بالعيان أنّ طبائع بعض الناس- و هم قليلون- تقتضي الخير و لا ينتقلون منها بوجه، و طبائع بعضهم- و هم الكثيرون- تقتضي الشرّ و لا يقبلون الخير بوجه. و باقي الناس من المتوسّطين يصلحون بمجالسة الأخيار و يطلحون[٢] بمخالطة الأشرار، ثم زيّف القولين الأولين بأنّ الناس لو كانوا كلّهم على طبيعة الخير أو الشرّ و كان انتقالهم إلى خلاف طبيعتهم بالتعلم و الممارسة، فلا محالة يكون ذلك إمّا من قبل أنفسهم؟ فيلزم أن يكون فيهم غير ما فزضناه أنّه مقتضى طبعهم أيضاً، و هذا خلف. و إمّا من قبل غيرهم، فلا يكون الناس على طبيعة واحدة، بل لعضهم على طبيعة الخير و بعضهم على طبيعة الشر، و هذا هو المطلوب.
و الحق: أنّ خلقة الناس مختلفة حسب اختلاف الطينة و درجاتها، على نحو تضمّنته الأخبار المتقدمة الذكر، غير أنّ هذه الطبائع لا تكون لازمة الثبوت و ممتنعة الانفكاك، و لا عللًا تامة للأفعال، فيمكن زوالها بالأفعال لها لأجل الإرشاد أو الإغواء، فهذه الأقوال غير متينة، فافهم جيداً.
الفصل السادس: في دفع بعض ما أورد أو يمكن أن يورد على المختار، و هو أمور:
١- إنّ ظاهر بعض الأخبار المذكورة هو سببية الطينة التامة للأفعال، لا مجرد اقتضائها لها، بل المستفاد من بعضها أنّ مصير الطيبة إلى الجنة، و الخبيثة إلى النار، لا غير.
إقول: و حيث عرفت قطعية بطلان السببية التامة فلابد من تأويل هذا الظاهر إلى ما قرّرنا، و ممّا يدلّ على ذلك من نفس تلك الأخبار: هو ما تضمّن اختلاط الطينتين الخبيثة و الطيبة
[١] - لا حظ المصدر السابق/ ٨٢.
[٢] - أي يُصبحون طالحين.