صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٢٠ - المقالة الثامنة في دلالة القرآن المجيد
الأفعال إليهم كذلك يصح استنادها إلى الله تعالى على نحو يليق بعزّ جلاله، فافهم.
و إن شئت فقل: استناد فعل أو شيء إلى العلتين قد يكون عرضياً و قد يكون طولياً و على الأوّل يتمّ تخيّل الأشعري و على الثاني يتمّ ما هو الحق من الأمر بين الأمرين، و قد وقع الماديون و طوايف من المسلمين منهم الأشاعرة في الاشتباه بين القسمين فانحرفوا عن الحق.
الطائفة الثانية: ما دل على أنّ أفعالنا و مشيئتنا بمشيئته تعالى، مثل قوله تعالى: وَ لا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ و قوله: كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ وَ ما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ و قوله: إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ و قوله: ... لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ و قوله: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَ لا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ.
أقول: أمّا الآية الأولى ففيها إضمار القول، و تقديرها: إلا أن تقول: إن شاء الله، و لمّا حذف القول نقل إن شاء الله إلى لفظ الاستقبال، كما حكي عن الأخفش و غيره، أو المعنى، إلا أن يشاء الله أن يأذن لك في ذلك القول، أي ليس لك أن تخبر عن نفسك أنّي فاعل لشيء إلا إذا أذن الله لك في الإخبار، كما ذ كره الرازي. أو أنّ قوله: «إلا أن يشاء الله» مقول القول و من تتمة المنهيّ عنه، أي لا تقل: إنّي أفعل فعلًا غير محتاج فيه إلى الله إلا أن يمنع الله منه، فإنّ هذا تفويض باطل، كما ذكره بعض أساتذتنا الأعلام في مجلس درسه.
و على جميع الوجوه تكون الآية أجنبية عن مسألة الجبر، إلا أنّ الاحتمال الثالث خلاف ظاهر الآية، كما لا يخفى.
و أمّا الآية الأخيرة فيمكن حملها على غير الأفعال الاختيارية.
و أمّا بقية الآيات فأجيب عنها بوجوه، أقربها وجهان:
الأول: حمل المشيئة المذكورة فيها على المشيئة الإلجائية، و لا شك أنّ الله تعالى إذا أراد شيئاً يقول له: كن فيكون؛ لاستحالة تخلّف المعلول عن علّته التامة.
الثاني: أنّ المعنى: إلا أن يشاء الله أن يلطف بكم في الاستقامة و التذكّر و التخاذ الطريق، كما يقتضيه سياق الآيات و نظمها.