صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٥٠ - المقام الثاني في إدراك العقل العملي للحسن و القبح
التمهيد، و هذا- أي تغاير المدح و الذم مع الثواب و العقاب- هو الظاهر من المحقق الطوسي أعلى الله مقامه، أو صريحه[١]، و كذا من غيره، بل يمكن نسبته إلى جمع كثير من متكلّمي العدلية، كما يظهر لمن راجع مباحث الثواب و العقاب في باب المعاد و غيره.
و عليه فلا بد من تكليف الشارع مولويا ليترتب على موافقته أو مخالفته المجازات الرادعة عن القبائح الباعثة إلى المحاسن، ضرورة أنّ مجرد المدح و الذم لا يكفيان لارتداع أكثر النفوس. و يدل على ما ذكرنا- في الجملة- قوله تعالى: إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ[٢]، و قوله تعالى: وَ يَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ[٣]، و حملهما على الإرشاد بعيد جداً.
ثم إنّ هنا و جوهاً أخر من الدلائل على الملازمة ذكرها المثبتون و نحن ننقلها من مطارح الأنظار.
١- الإجماع المحصّل و المنقول بسيطاً و مركباً، إذ علماء الإسلام بين من أنكر الحسن و القبح، و بين ما أثبتهما و قال بالملازمة، فالتفصيل بين الالتزام بهما و إنكار الملازمة باطل.
أقول: و قد أتعب المقرر نفسه الذكية في تقرير الإجماع و تثبيته، لكنّ تحقق الإجماع التعبدي في مثل هذه المسألة المستدل عليها بالعقل و النقل بعيد جداً، بل لا يمكن عادةً تحصيل العلم برضى المعصوم (ع) منه، و هذا ظاهر. هذا، مع ما عرفت من الأقوال الخمسة من القائلين بالحسن و القبح العقليين، فأين الإجماع المركب[٤]؟
٢- الكتاب الكريم، و فيه آيات، فمنها: قوله تعالى في مدح نبيه (ص): يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ[٥].
و التقريب: أنّ المعروف و المنكر هما الحسن و القبيح العقليان، و المستفاد من السياق بدلالة وقوعه في مقام المدح هو العموم، و الأمر فيه محمول على مطلق الطلب لعموم المعروف للمستحب.
و منها: قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ ... وَ يَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ
[١] - شرح التجريد للعلّامة الحلّي/ ٢٠٣ و ٢٥٦.
[٢] - الأعراف ٧/ ٣٣.
[٣] - النحل ١٦/ ٩٠.
[٤] - نعم، أنكر في هداية المسترشدين نسبة نفي الملازمة إلى الجماعة المتقدمة، لكنّ فيه نظراً.
[٥] - الأعراف ٧/ ١٥٧.