صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٧٢ - بقي في المقام مسائل
و عن جمهور المتكلمين: أنّه فاعل بالقصد، أي يكون علمه بفعله سابقاً عليه، يقرن بالداعي الزائد على ذاته.
أقول: و أنت بملاحظة الأصول الحقّة المبرهنة في هذا الجزء و الجزء الأول تستيقن ببطلان القول الأول و الثاني و الثالث، و بصحة القول الأخير، لكنّ الأنسب أن نعبّر عنه بالفاعل بالاختيار، فإنّ إطلاق القصد على المجرد عن المادة و الروح، و المنزّه عن الجسم و الجسماني لا يخلو عن حزازة و ركاكة، فهذا المسلك هو المطابق للعقل و النقل، كما عرفت بيانه مفصلًا، لكن لصاحب الأسفار[١] عليه اعتراضاً عجيباً، قال: و إن كان الأول منها- أي الفاعل بالقصد- مضطراً في اختياره؛ لأنّ اختياره حادث فيه بعد ما لم يكن، و لكل حادث محدث، فيكون اختياره عن سبب مقتضٍ و علة موجبة، فإمّا أن يكون ذلك السبب هو، أو غيره، فإن كان غيره فثبت المدّعى، و إن كان هو نفسه: فإمّا أن يكون سببيتها لاختياره باختياره، أو لا، فعلى الأول يعود الكلام و ينجرّ إلى القول بالتسلسل في الاختياريات إلى غير النهاية. و على الثاني يكون وجود الاختيار فيه لا بالاختيار، فيكون مضطراً و محمولًا (مجبولًا خ) على ذلك الاختيار من غيره، فينتهي إلى الأسباب الخارجة عنه، و ينتهي بالآخرة إلى الاختيار الأزلي الذي أوجب الكلّ على ما هو عليه بمحض الاختيار من غير داع و زائد و لا قصد مستأنف و غرض عارض. انتهى كلامه.
و قد سبقه إلى ذلك الفارابي في الفصّ السادس و الخمسين من فصوصه، لكنّه غير صحيح؛ إذ للاختيار معنيان:
الأول: إمكان الفعل و الترك، أي للفاعل أن يفعل، و له أن يترك.
الثاني: الترجيح و إيثار أحد الطرفين- الفعل و الترك- على الآخر، فإن أراد به المعنى الأول فنقول: إنّه أزلي ليس بحادث، فإنّ قدرته تعالى عين ذاته، و الاختيار بهذا المعنى لازم قدرته على ما مرّ بحثه في الجزء الأول مفصّلًا، فثبوت الاختيار- بهذا المعنى- له تعالى ليس باختيار منه، بل هو ضروري له، و لكن لا يستلزم اضطراره في أفعاله كما لا يخفى على عاقل. و إن أراد به المعنى الثاني فنقول: إنّه حادث، و مرجّحه بمعنى السبب الفاعلي هو الله تعالى، و بمعنى العلة الغائية هي المصالح أو المفاسد الراجعة إلى مخلوقاته، فهو مع قدرته و تمكّنه من الفعل و الترك يرجح ما هو الأصلح بمحض عدله و حكمته، من غير أن تؤثّر المصالح المذكورة في تمكّنه تعالى، و إنّما هي علة فاعلية الفاعل في خروج فعله عن اللغوية و العيثية، و إلا فله تعذيب الأنبياء و تعظيم الكفرة و الأشقياء.
[١] - الأسفار الأربعة ٢/ ٢٢٤.