صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٩٨ - تذييل
و في رواية أخرى له، عن الصادق (ع) أنّه قال: «حقيق على ألله أن يدخل الضلّال الجنة»، فقال زرارة: كيف ذلك جعلت فداك؟ قال: «يموت الناطق و لا ينطق الصامت، فيموت المرء بينهما فيدخله الله الجنة»[١].
أقول: فيفهم من هذه الروايات أن هؤلاء الطوائف لم يتمّ عليهم الحجة في الدنيا فيكلفون في الآخرة. و أمّا ما عن جماعة من المتكلمين (كما في توحيد الصدوق) من إنكار التكليف في الآخرة زاعمين أنّه لا يجوز أن يكون في دار الجزاء تكليف. فهو واضح السقوط، إذ التكليف المذكور في ميدان الحساب، لا في الجنة أو النار، و لا دليل على نفي مثل هذا التكليف هناك من العقل و النقل، فطرح الروايات أو تأويلها لأجل ذلك، كما صرح به بعض الأصحاب خارج عن منهاج الصواب.
تذييل:
استدل المحقق الطوسي (قدس سره) في تجريده على انقطاع التكليف بعد الإجماع بأن إيصال الثواب إلى المكلف غير ممكن في صورة استمرار التكليف المستلزم للمشقة؛ لاستدعاء الثواب الخلوص عن المشقة، و لا يمكن الجمع بينهما.
أقول: لا شك في انقطاع هذه التكاليف الفعلية بالموت عقلًا، و أمّا أنّه لا تكليف بعده على وجه عام، فهذا لا دليل عليه من العقل و النقل، بل قد عرفت دلالة الروايات على تحققه في الآخرة لبعض الأشخاص.
و أمّا ما أفاده من تنافي التكليف للثواب ففيه: أنّ الكلفة و المشقة غي معتبرة في صدق التكليف الشرعي، كما أسلفنا بحثه سابقاً، فيمكن أن يكون أهل الجنة مكلفين ببعض الأذكار مثلًا، و يزيد بامتثاله درجاتهم، و هذا الاحتمال لا دافع له.
قال شيخنا الأقدم المفيد (قدس سره) في أوائل المقالات[٢]: أقول: إنّ أهل الآخرة صنفان: فصنف منهم في الجنة، و هم فيها مأمورون بما يؤثرون، و يخفّ على طباعهم، و يميلون إليه و لا يثقل عليهم من شكر المنعم سبحانه و تعظيمه و حمده على تفضّله عليهم و إحسانه إليهم، و ما أشبه ذلك من الأفعال.
و ليس الأمر لهم بما وصفناه إذا كانت الحال فيه ما ذكرناه تكليفاً؛ لأنّ التكليف إنّما هو إلزام ما يثقل على الطباع، و يلحق بفعله المشاقّ، و الصنف الآخر في النار، و هم من العذاب و كلفه
[١] - البحار ٥/ ٢٩٠.
[٢] -/ ٦٨.