صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٥١ - الفصل الرابع في قياس المسألة و عرضها على القواعد العقلية و النقلية و ذكر الأقوال فيها
المحض و هو الكفر باختيارهما، عاملها هذه المعاملة كالخلق من الطينة الطيبة أو الخبيثة، فحيث على الله من زيد أنّه يختار الخير و الإيمان البتّة و لو لم يخلق من طينة طيبة خلقه منها، و لمّا علم من عمرو أنه يختار الشر و الكفر البتّة خلقه من طينة خبيثة ...- إلى أن قال السيد الناقل المذكور:- و هذا معنى جيد ينطبق عليه أكثر أخبار الباب، و يستنبط من أخبارهم (عليهم السلام) كما أشير إليه بقوله (ع) حكاية عنه تعالى: «أنا المطلّع على قلوب عبادي، لا أحيف و لا أظلم و لا ألزم أحداً إلا ما عرفته منه قبل أن أخلقه. و يستفاد ذلك من أخبار أخر ذكرها يفضي إلى التطويل.
أقول: مغايرة هذا القول للقول الثاني و الرابع واضحة لا تخفى على الباحث، و الإنصاف: أنّ هذا القول أحسن و أقرب من جميع الأقوال المتقدمة، و به يجمع بين هذه الأخبار و ما تقتضيه القواعد العقلية و الأدلة الشرعية الأخر من اختيار العباد التام في أفعالهم، كما عرفتها في الأمر بين الأمرين، بيد أنّ القول المذكور في نفسه غير تام أيضاً؛ لما عرفت من أنّ الذي يصلح دليلًا له هو رواية جابر المتقدمة التي إن تمّت دلالتها عليه تسقط من ناحية السند، فيصبح القول المذكور بلا دليل، بل قد عرفت أنّ الروايات الكثيرة المذكودة في البحار تدلّ على مدخلية الطينة في الأعمال، كما أنّ ما أخرجه ثقة الإسلام الكليني في الكافي (أول الجزء الثاني من أصوله في هذا الباب) أيضاً يدل عليها، فلا حظ.
و أمّا ما أشار إليه السيد المذكور من قوله تعلى في الحديث: «و لا ألزم أحداً إلّا ما عرفته منه قبل أن خلقه» فهو و إن كان موجوداً في البحار لكنّه غير مذكور في «الوافي»، فتكون الجملة المذكورة غير ثابتة من الإمام (ع)، و على فرض تسليمها فمعناها: و لا ألزم أحداً إلّا ما عرفتته منه من الطينة الخبيثة أو الطيبة، لا من تمرّد المكلف و عصيانه مع قطع النظر عن الطينة، و لابد من تفسيرها بذلك لتلتئم الجملة المذكورة مع ما قبلها من جملات الرواية.
و أضف إلى ذلك: أنّ هذه الرواية- و هي رواية الليثي التي رواها الصدوق (قدس سره) في آخر كتابه «علل الشرائع» و الكاشاني عن بعض مشايخه في «الوافي» بطولها ناصّة على بطلان هذا القول، فالاستدلال بجملة منها له عجيب.
و الذي يسهّل الخطب أنّ الرواية لاشتمالها على بعض الأمور- مضافاً إلى ضعف سندها- مخالفة للأصول الدينية فضلًا عن قاعد العدلية، فلابد من طرحها.
الثامن: ما ذمره الفيض الكاشاني في «الوافي» و أول الروايات المذكورة إلى أمور غير ثابتة في نفسها، و على فرض صحتها فحمل الروايات عليها بلا شاهد، مع أنّ الإشكال المتقدم لا يدفع به فإنّه غير ناظر إليه، بل لعله يقوّيه، فلا نطوّل المقام بنقله و نقده.