صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٤٤ - تعقيب و تحقيق
فهو يريد طاعته و لا يريد معصيته. و هذه الإرادة غير الإرادة الأولى في المعنى. انتهى. أي غير إرادته المتعلقة بفعله فإنّها تكوينية قطعاً.
و قال العلّامة الحلّي (رحمه الله) في شرحها: ... مريداً له لا بمعنى الإرادة المخصصة للفعل؛ فإنّ الفعل إنّما يقع بإرادة العبد عندهم، بل الله مريد له، بمعنى أنّه يطلب منه إيقاعه على وجه الاختيار ... و إن كان معصية لم يكن مريداً لها بالمعنى الأول- يعني به الإرادة التكوينية- و لا الثاني، أعني الطلب لحكمته تعالى ... إلى آخره. و القرائن على ذلك في كلامهم كثيرة.
أقول: فكأنّ الأشعرية لم يفهموا مرادهم من الإرادة، و إلّا فلم يستنكفوا من قبوله، فإنّ الله أمر بالطاعات و نهى عن المعاصي بالضرورة، و الأمر يستلزم الطلب باتفاق منهم كما صرّحوا به.
و التحقيق في المقام: أنّ مقالة الأشعرية باطلة كما مرّ، و التفصيل بين المعاصي و المحاسن في الإرادة التكوينية لا محصّل له، و كذا في الإرادة التشريعية بالمعنى الذي قررناه في الجزء الأول؛ فإنّ الله كتب جميع الأشياء في اللوح المحفوظ. نعم، هو- أي التفصيل المذكور- يصحّ في الإرادة بمعنى الطلب كما عرفت. و عمدة الكلام إنّما هو في كيفية تعلق إرادة الله التكوينية بالأفعال الاختيارية للمكلفين، و هي مسألة غامضة مشكلة جداً، فإنّ تفويض الاعتزالي كجبر الأشعري مخالف للعقل و الدين، و الحق الصراح أنّ الإرادة تعلقت بكل شيء، و لا يدخل في ملكه ما لا يشاؤه، لكنّه منزّه عن فعل الفحشاء و القبائح.
و هذا هو مذهب الأئمة من آل محمد (ص) و شيعتهم من الطائفة الإمامية، و هو المسمّى بالأمر بين الأمرين الذي لم يصل إليه أحد غيرهم، و به يجمع بين العقل و النقل، و به يرتفع التعارض المترائي بين الآيات القرآنية، و أمّا بيانه فسيمرّ بك في القاعدة الخامسة من هذا المقصد إن شاء الله، فانتظر.
و أمّا الكلام حول أدلتهم فنقول: الوجه الأول من أدلة العدلية واضح ضروري كما عرفت، و هو يبطل الجبر الذي تخيّله خصومهم.
و الوجه الثاني غير متين، فإنّ العامل بناءً على استناد عمله إلى الله تعالى ابتداءً، لا يعدّ عاصياً و لا مطيعاً، فالصحيح أن يبطل المقدّم باستلزامه إبطال التكليف و استحقاق الثواب و العقاب كما سيجيء بحثه فيما يأتي.
و الوجه الثالث يدل على تعلق الطلب بالطاعات، و الزجر بالمعاصي، و هذا أمر لا ينكره أحد. و المخالفون حيث زعموا أنّ الإرادة المذكورة في الدليل هي الإرادة التكوينية أجابوا عنه: بأنّ الأمر و النهي يستلزمان الطلب دون الإرادة، و لكنّه واضح الفساد، فإنّ الطلب و إن كان مغاير اللإرادة على القول الأظهر غير أنّ الأمر و النهي يستلزمان الإرادة بالضرورة، كما ننبّه عليه