صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٠٥ - المقالة الخامسة في مذهب الحكماء
مراد» و «سرمايه إيمان» و المحدث الكاشاني في كتابه «الوافي»، و غيرهما في غيرها، و قال الأول: إنّه مذهب محقّقي علماء الإمامية و جمهور الحكماء.
و حيث إنّ تحقيق هذا القول منسوب إلى المحقق الطوسي (قدس سره) فلا بد من نقل كلامه[١]، قال: لا شك أنّ عند الأسباب يجب الفعل، و عند فقدانها يمتنع، فالذي ينظر إلى الاءسباب الأوّل و يعلم أنّه ليست بقدرة الفاعل و لا بارداته يحكم بالجبر. و هو غير صحيح مطلقاً؛ لأنّ السبب القريب للفعل و هو قدرته و إرادته، و الذي ينظر إلى السبب القريب يحكم بالاختيار. و هو أيضاً ليس بصحيح مطلقاً؛ لأنّ الفعل لم يحصل بأسباب كلها مقدورة و مرادة، و الحق ما قاله بعضهم: لا جبر و لا تفويض و لكن أمر بين أمرين ... إلى آخره.
أقول: فالمتحصّل: أنّ أفعال العبد واقعة بإرادة و اختياره فلا يلزم الجبر، و لكنّ إرادته و قدرته موجودتان فيه بإرادة الله تعالى و مستندتان إليها فلا يلزم التفويض.
فإن قلت: إذا كانت إرادة العبد- و هي العلة التامة لفعله- موجودة بإيجاده تعالى فلا محالة يكون الفعل غير اختياري، و مجرد توسط الإرادة لا يثبت الاختيار.
قلت: الفعل الاختياري ما كان بإرادة الفاعل و اختياره، كما هو المفروض في هذا المذهب، لا أن تكون الإرادة بالإرادة و الاختيار بالاختيار، فإنه غير لازم في مفهوم الاختيار، كيف و لو كانت الإرادة أيضاً اختيارية لزم التسلسل؟ هكذا أجابوا.
أقول: و الحق أنّه لا فرق بينه و بين قول المجبّرة أصلًا، فإنّ علة الفعل التامة- و هي الإرادة- إذا كانت غير اختيارية للفاعل، بل كانت معلولة لأمور قهرية مستندة إلى إرادة الله تعالى الأزلية كان الفعل أيضاً غير اختياري لا محالة، إلا أنّ يصطلح أحد في إطلاق كلمة الاختيار على هذا المعنى و لا نزاع معه، غير أنّ كلامنا بحسب المعنى و نفس الأمر، لا بلحاظ اللفظ.
و أمّا حديث التسلسل في الإرادات فقد عرفت هدم بنيانه و قلع أساسه. و بعبارة واضحة: إذا كان الفعل معلولًا للإرادة- أي الشوق المؤكد- يكون حال الفعل المزبور حال الارتعاش الحاصل من الخوف؛ إذ كلّ من الخوف و الشوق صفة نفسانية و علة تامة للحركة في العضلات، فينبثق من الأول ارتعاش البدن و صفرة الوجه، و من الثاني الضرب و الأكل مثلًا، فكيف صار أحد الفعلين اختيارياً يتعلق به الحسن و الذم و التكليف و الجزاء، و الآخر قهرياً اضطرارياً لا يتعلق به شىء؟! و أنت إذا تأملت هذا الكلام تقطع بفساد هذا القول من دون حاجة إلى إطالة المقال.
[١] - حكاه في مبحث إرادة الله من الأسفار. الطبعة القديمة.