صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٤٠ - تذييل و تسجيل
على الله تعالى كذا، نعني به أنّ الله تعالى يفعل الأمر لحكمته البالغة البتّة.
و بتعبير آخر: الوجوب الذي نثبته على الله تعالى ليس بمعنى البعث إلى متعلقه، و لا الزجر عن تركه كماهما المتبادران من الحكم، بل المراد به إدراك العقل، الواقع و ما هو ثابت في نفس الأمر، على حذو قولنا: العقل يحكم باستحالة اجتماع النقيضين[١]، لكنّ المنكرين خلطوا بين الموردين، فاعترضوا بأنّه لا حاكم- أي لا باعث و لا زاجر- على الله تعالى!
و أنت بملاحظة ما ذكرناه تقدر على إبطال جميع أغلاطهم و شبهاتهم في المقام، كقولهم: إنّ الوجوب حكم، و الحكم لا يثبت إلا بالشرع، فإنّ الحكم في الصغرى بمعنى الإدراك فتبطل الكبرى.
و قولهم: لو وجب عليه تعالى شيء فإن لم يستوجب الذم بتركه لم يتحقق الوجوب؛ لأنّ الواجب ما يستحق تاركه الذم، و إن استوجب تركه الذم كان الباري ناقصاً لذاته مستكملًا بفعله؛ فإنّه حينئذٍ تخلص بفعله من المذمة، و هو محال. نختار الشق الثاني، و لا يلزم منه النقص و الاستكمال، فإنّ المذمة غير متحققة قبل فعله؛ حتى لا يمكن التخلّص عنها إلا بفعله الحسن، بل المراد أنّه لا يفعل شيئاً يستحق به الذم المترتب عليه، فأين هذا من النقص؟! و الشبهة سخيفة جداً و قولهم- إيراداً على التعريف الثاني-: و لله تعالى في كل فعل ترك مصالح لا تحصى فلا يخلّ بالحكمة، و لو سلّم فلزوم الصدور المذكور يوجب عدم تمكنه من الترك، و هو ينافي الاختيار.
نقول: إنّ الشقّ الأول رجم بالغيب، و افتراء على القادر الحكيم العادل، بل هو لا يترك مصالح غير مزاحمة بما هو أقوى منها. و الشقّ الثاني ساقط جداً، فإنّ اللزوم المذكور لا ينافي اختياره، بل هو معلول اختياره، فإنّه باختياره لا يفعل القبيح، و هذا ظاهر، فإنّ العقلاء مع قدرتهم على القبيح وجداناً لا يفعلونه اختياراً.
و نختم الكلام في هذه القاعدة بما روي عن مولانا أمير المؤمنين (ع)[٢]: «التوحيد أن لا تتوهّمه، و العدل أن لا تتّهمه».
و عن ابنه مولانا الصادق (ع)[٣]: «أمّا التوحيد فأن لا تجوز على ربك ما جاز عليك، و أمّا العدل فأن لا تنسب إلى خالقك ما لآمك عليه».
و هاتان الكلمتان القيّمتان مشتملتان على جميع مباحث العدل و التوحيد.
[١] - و الكتاب العزيز أيضاً شاهد بذلك، قال تعالى فيه: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ، و قال: وَ عَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ، و قال: إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى. و كلمة( على) تفيد الوجوب، كقوله لله على الناس حج البيت.
[٢] - بحار الأنوار/ ٥٢ ٥ و ٥٨.
[٣] - المصدر السابق/ ١٧.