صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٦٢ - قصة خيالية
أخي، فبهت الجبائي، فترك الأشعري مذهبه، و كان هذا أول ما خالف فيه الأشعري المعتزلة.
أقول: هذا هو مبلغهم من العلم، يبحثون عن مسألة بسيطة ثم إذا عجز المسؤول عن جوابها يخالفه السائل في تمام أقواله، و يجعل عجزه في مورد دليلًا على بطلان جميع مباينه! و قد وقع نظير هذا للحسن البصري و واصل بن عطاء، حيث قال الحسن: إنّ مرتكب الكبائر مؤمن فاسق! و قال واصل: إنّه لا مؤمن و لا كافر، فافترق منه و اعتزله، و حالهم عجيبة.
ثم إنّ الجواب عن هذه القصة قد انبثق ممّا تقدم، فإنّ الله تعالى إن قال في جواب الثالث: إنّ موتك في حال الصغر كان أصلح للنظام فأمّتك و إن كان تعميرك أصلح لك، لكنّ مصلحة الكلّ أولى بالرعاية من مصلحظ الجزء فلا يبقى له سؤال، ثم يقول له- كما دلت عليه الروايات الصحاح[١]-: إنّك لو تريد الجنة فالآن نختبرك و نكلّفك، فإن أطعتني أدخلك الجنة، و إلّا فمصيرك إلى النار، ثم يؤجّج له ناراً فيؤمر بالدخول فيها، فإن دخل يدخل الجنة، و إن عصى فيدخل النار، فما ذركره الجبائي في جواب الثالث اختراع منه و تخرّص، فهذه القصة لا تخدش القاعدة الشريفة المذكورة، فافهم و استقم.
قال الصادق (ع)- كما في آخر رواية عبد الله الهاشمي المروية في التوحيد في الباب ٦١-: «إنّ الله لا يفعل لعباده، إلا الأصلح لهم، و لا يظلم الناس شيئاً، و لكنّ الناس أنفسهم يظلمون».
و أعلم أنّ قانون العلّية سارٍ في عالم المادة، بل في عالم الممكنات؛ لا استثناء له أصلًا، و سلسلة العلل و تنتهى إلى علة العلل و هو الخالق المدبّر عزّ اسمه، بل قد جرت سنة الله على تأثير الأسباب العادية في مسبباتها، إلا في مورد المعجزات و خوارق العادات تقديماً لعلل مادية أو غير مادية قاهرة غير عاديته على أسباب عادية، تثبيتاً لمنصب النبوّات و الرسالات للأنبياء و الرسل عليهم السلام مثلًا، و كثير أما يشتبه غير الراسخين في العلم و يتوقعون تخصيصها في كلّ ما يحبون؛ و منها في مقامنا، فإن الصغير يميته الله على حسب قانون العليته الحاكم على الأشياء عن قبل مسبب الأسباب، و كأنّه المصداق الأكبر للنظام الأصلح كما عبّرنا به فافهم المقام.
[١] - و قد ورد من طريق العامة أيضاً هذا المضمون، كما ذكره ابن حزم في فصله.