صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٦١ - قصة خيالية
لرقّة قلبية يعدّ مشكوراً عندهم، و الوالدين يربيان أولادهما لأجل المحبّة غير الاختيارية المودعة في قلبيهما حفظاً للنظام، و الأولاد ملزمون بشكرهما و تمجيدهما، و هكذا؟
و سرّ ذلك: أنّ استحقاق الشكر يتسبّب من الإحسان الصادر عن إرادة المحسن و رضاءه، و سواء كان تركه قبيحاً، أم لا، بل وجوب الأصلح يشمل جميع العقلاء أيضاً، و لا يخص الواجب الوجود وحده؛ لعموم دليله، فإذا أنعم زيد بدرهم على محتاج و كان الأصلح الإنعام بدينار فقد ارتكب القبيح واقعاً، و إن كان على المحتاج شكره؛ إذ ليس عدم إعطاء الدينار إيّاه ظلماً عليه، و لا منعاً من حقه، و إيتاء الدرهم له تفضّل محض عليه، كما هو واضح، و لعمري إنّ الشبهة المذكورة سخيفة جداً.
و أمّا فائدة الدعاء فظاهرة؛ إذ الدعاء ربّما يكون دخيلًا في الأسباب و العلل، مثلًا: الفقر أو المرض أصلح لزيد بطبع الحال، لكنّه إذا دعا الله لزواله يصير الغنى أو الصحة أصلح له لأجل دعائه؛ و لذا ورد: أنّ الدعاء يردّ القضاء، فالإيراد ناشئ عن عدم تعمّق في المسألة.
٤- إنّ مقدورات الله تعالى غير متناهية، فأيّ قدر يضبط في الأصلح فالمزيد عليه ممكن، فيلزم أن لا يمكن تأدية الله تعالى ما هو الواجب عليه، و فساده أظهر من أن يخفى.
أقول: و لعلّ هذا الوجه هو المستند للقول الثالث، كما يظهر من تقريره، لكنّه مزيّف صغرى و كبرى، أمّا صغرى فلأنّ عدم تناهي المقدورات لا يستلزم عدم تناهي الأصلح؛ إذ يمكن أن يكون مرتبة منها أصلح دون فوقها. و أمّا كبرى فلأنّ الوجوب المذكور- أي وجوب الأصلح- إنّما جاء من قبل قبح ترجيح المرجوح على الراجح كما عرفت، ومن الضروري عدم القبح في ترك المحال، فيتقصر على ما هو الممكن في الإيجاد، و هذا واضح.
قصة خيالية:
نقل في المواقف و شرحها[١] حكاية زعماً أنّها تنحى بالقلع عن هذه القاعدة، و هي: أنّه قال الأشعري لأستاذه أبي عليّ الجبائي: ما تقول في ثلاثة إخوة عاش أحدهم في الطاعة، و أحدهم في المعصية، و مات أحدهم صغيراً؟ فقال: يثاب الأول بالجنة، و يعاقب الثاني بالنار، و الثالث لا يثاب و لا يعاقب، قال الأشعري: فإن قال الثالث: يا ربّ، لو عمّرتني فأصلح فأدخل الجنة كما دخلها أخي المؤمن؟ قال الجبائي: يقول الربّ: كنت أعلم أنّك لو عمّرت لفسقت و أفسدت فدخلت النار، قال: فيقول الثاني: يا ربّ، لم لم تمتني صغيراً لئلّا أذنب فلا أدخل النار كما أمّت
[١] - ٣/ ١٥٧.