صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٥٩ - القاعد السادسة في وجوب الأصلح عليه تعالى
و المدّعى هو الوجوب عليه بمعنى استحقاق الذم على الترك، فأين هذا من ذاك[١]؟!
أقول: و هذا الإيراد واضح الفساد؛ إذ المراد بالداعي هو الأصلح نفسه، أعني به ما هو أتمّ مصلحة، و إتيانه غير لازم عنه تعالى، بل هو متمكن من فعله و تركه، بل هو لازم عليه؛ لأنّ إهمال الأصلح قبيح ينزّه عنه الله تعالى.
والأولى أن يقال: إنّ الأصلح ممّا يجب إتيانه على الله تعالى، فإنّه إذا دار الأمر بين إيجاد الأصلح و تركه، أو بينه و بين الصالح فاختيار الشقّ الثاني ترجيح المرجوح على الراجح، و هو ممنوع، فمتعلق إرادته تعالى دائماً هو الأصلح، و هو واجب عليه؛ لأنّ تركه قبيح منه تعالى.
و بعبارة واضحة: أنّ هذا البحث راجع إلى بحث حكمته تعالى، و لا فرق بينهما أصلًا؛ و ذلك لأنّ الحكمة: إمّا أن يراد بها تبعية فعله للمصلحة و العائدة، و أنّه لا يفعل إلا عن مصلحة، و هي ما تقدم في هذا الجزء في مسألة تعلّل أفعاله بالغرض. و إمّا أن يراد بها صدور الاشياء عنه على أكمل الأنحاء الممكنة، و هي مسألة أنّه تعالى حكيم، و قد مرّ تفصيلها في الجزء الأول، و مسألتنا هذه بعينها هي المسألة، فكما أنّا قلنا: إنّه تعالى حكيم، نقول: إنّه فاعل الأصلح لا محالة، و لا نظام ممكن أحسن من هذا النظام الحاضر، كما مرّ.
نعم، لو قلنا: إنّ المراد في هذا المقام هو البحث عن وجوب الأصلح بحال العبد، كما هو ظاهر جملة من الكلمات المتقدمة، بل هو مدلول دليلهم و هو المناسب لمباحث العدل، فتكون المسألة مورداً و مصداقاً لمبحث حكمته تعالى، لا أنّها راجعة إليه متحدة به، لكنّ البحث بهذا العنوان لغو بعد إثبات تلك الكبرى الكلّية، بل لا يمكن إثبات الحكم المذكور حينئذٍ؛ إذ الذي يفعله الله تبارك و تعالى هو الأصلح الواقعي، لا الأصلح بحال بعض، و إن صادم مصلحة أقوى راجعة إلى فرد آخر أو جمع آخرين فإنّ اختياره حينئذٍ قبيح، و على ضوء ذلك يبطل جميع الأقوال المفصّلة المتقدمة، كما لا يخفى.
ثم إنّ للنفاة اعتراضات على أصل المدّعى، و إليك بيانها مختصراً.
١- إنّ الأصلح بحال الكافر المبتلى بالأسقام و الآفات أن لا يخلق أو يموت طفلًا، أو يسلب عقله عند البلوغ لئلّا يستحق الخلود في النار.
أقول: و قد ظهر جوابه ممّا حرّرناه آنفاً، من أنّ المراد بالأصلح الواجب على الحكيم هو الأصلح بالنظر إلى الواقع و النظام، و إن شئت فقل: الأصلح غير المعارض بما هو الأقوى منه، و مصلحة عدم خلق الكافر ممّا لم يدلّ على كونها من هذا القبيل دليل.
[١] - لا حظ شرح التجريد للقوشجي/ ٣٩١.