صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٥١ - المقام الثاني في إدراك العقل العملي للحسن و القبح
الْبَغْيِ[١]. وجه الدلالة: أنّ العدل من كل شيء وسطه و مستقيمه، و مستقيم الأفعال حسنها. و العموم أيضاً مستفاد من المقام كما عرفت[٢].
و منها: قوله تعالى: وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ[٣].
و منها: قوله حكايةً عن لقمان في وصيته لابنه: ... وَ أْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَ انْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ[٤].
أقول: في الاستدلال بهذه الآيات الكريمة على الملازمة المذكورة نظر؛ فإنّ ما أفيد في الآية الأولى فهو يجري في قوله تعالى: وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ...[٥] إلى آخره، مع أنّ الطيّب و الخبيث ليسا من الأحكام العقلية، بل من الأمور الطبيعة: إذ الطبيب ما يرغب فيه الطبع، و الخبيث ما يستنفر عنه الطبع فتأمل. و لا شك في بطلان الملازمة بين ما رغب الطبع فيه أو عنه و ما حكم به الشرع، مع أنّ الطبع مختلف باختلاف الأقوام و الأعصار، بل الأفراد. و أيضاً المدح لا يقتضي العموم؛ لحصوله بطبيعي الأمر و النهي المذكورين، كما يقال: «زيد يبذل المال» فإنّه مدح له، و لا يدلّ على بذل تمام أمواله.
و أمّا ما ذكر في الآية الثانية ففيه احتمال إرادة ضدّ الظلم من العدل، فلا عموم فيه، و يؤيده أنّ لازمه كون الإحسان و الإيتاء من العطف التفسيري، و هو خلاف الظاهر.
و أمّا ما ذكر في الآية الثانية ففيه احتمال إرادة ضدّ الظلم من العدل، فلا عموم فيه، و يؤيده أنّ لازمه كون الإحسان و الإيتاء من العطف التفسيري، و هو خلاف الظاهر.
و أمّا الآيتان الأخيرتان و نظائرهما ممّا ورد في موضوع الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فهي أجنبيه عن مقامنا بالكلّية، فإنّ الأمر و النهي المذكورين متأخران عن تعلق الأمر و النهي الشرعيين، و لا شك أنّ ما تعلق به أمر الشارع أو نهيه فهو معروف أو منكر. و بعبارة واضحة: أنّ المراد بالمعروف و المنكر هو الواجبات و المحرّمات الشرعيتين اللتين أمر الله المكلفين بتبليغهما، فالآيات الشريفة ناظرة إلى مرحلة الامتثال، دون مرتبة التشريع التابع للمصلحة و المفسدة، و لذا جعل المكلفين آمرين و ناهين مع ضرورة عدم كونهم مشرّعين، و الملازمة المبحوث عنها إنّما هي في مرتبة العلل دون المعاليل؛ فلذا يستقلّ العقل بحسن الإطاعة
[١] - النحل ١٦/ ٩٠.
[٢] - أقول: في رواية السكوني الواردة في تفسير الآية عن الصادق( ع) ليس لله في عباده أمر إلا العدل و الإحسان البحار ٥/ ١٩٨.
[٣] - آل عمران ٣/ ١٥٧.
[٤] - لقمان ٣١/ ١٧.
[٥] - الأعراف ٧/ ١٥٧.