صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢١٥ - المقالة السابعة حول السنة
فهذا هو الفصل بين الجبر و التفويض ... انتهي.
٣- تفويض أمر الخلق و الرزق إلى حجج الله تعالى، و في بعض الروايات: أنّ القائل به مشرك.
٤- تفويض التشريع إلى العباد.
أقول: و في هذا القسم الأخير بحث سيمرّ بك في مبحث النبوة و الإمامة، و ستعرف أنّ النبيّ الخاتم (ص) قد فوّض إليه التشريع، فانتظر.
و على الجملة: أنّ التفويض بجميع معانيه المذكورة فاسد قطعاً، سوى ما وعدناك ببيانه فيما بعد، و أمّا التفويض بالمعنى الذي ذكرناه سابقاً من عدم احتياج العبد في أفعاله إلى الله تعالى «و إن كان العبد و أفعاله مقدورين لله تعالى» فلم نجد رواية صريحة على بطلانه، و لعلّه لم يكن دائراً بين الناس في تلك الأعصار، و الله أعلم.
و أمّا الجبر فلعلّ المستفاد من الأخبار المذكورة أنّ له معاني ثلاثة:
١- ما ذكره هؤلاء الناس من عدم قدرة العبد على أفعاله و سلب الاختيار عنه، و لعلّه مدلول أكثر الأخبار.
٢- التكليف بما لا يطاق.
٣- الأمر بالمعاصي.
و الجميع واضح البطلان. إذا عرفت ذلك نذكر لك بعض الروايات:
١- صحيحة الجعفري، عن الرضا (ع)[١] قال: ذكر عنده الجبر و التفويض، فقال: «ألا أعطيكم في هذا اصلًا لا تختلفون فيه، و لا يخاصمكم عليه أحد إلا كسر تموه؟»، قلنا: إن رأيت ذلك، فقال: «إنّ الله عز و جل لم يطع بإكراه، و لم يعص بغلبة، و لم يمهل العباد في ملكه، هو المالك لما ملكهم، و القادر على ما أقدرهم عليه، فإن ائتمر العباد بطاعته لم يكن الله عنها صادّاً و لا منها مانعاً، و إن ائتمروا بمعصيته فشاء أن يحول بينهم و بين ذلك فعل، و إن لم يحل و فعلوه فليس هو الذي أدخلهم فيه»، ثم قال (ع): «من يضبط حدود هذا الكلام فقد خصم من خالفه».
قوله (ع): «لم يطع بإكراه»، ردّ على المجبّرة مع الإيماء إلى دليله، فإنّ العبادة- على قولهم- واقعة بقدرة الله و إرادته، لا بإرادة العبد، و العبادة غير الاختيارية غير مطلوبة من المكلفين، إذ لو شاء الله تلك هدى الناس أجمعين، و لذا قال تعالى: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ، بناءً على أنّ المراد بالإكراه هو الجبر، كما في تفسير بعض الأعاظم من أساتيذنا الأصوليين.
[١] - بحار الأنوار ٥/ ١٦. نقلًا عن توحيد الصدوق.