صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٨٥ - التحطئة و التصويب
على أن الأحكام الشريعة و الفروع الفقهية على أقسام منها ما هي غير متلقّاة من غير الإمام، بل هي متلقاة من القرآن المجيد و من السنة النبوية المواترة أو المسلّمة و من العقل و لا قائل بالتفصيل.
هذا كلّه حول اءدلة المحدث البحراني المذكور و بيان ضعفها و سقوطها.
و زبّما استدل بعضهم بأن الفروع لو كانت واجبة على الكافر: فإمّا أن يكون و جوبها عليه حال كفره، أو حال الإسلام، و كلاهما باطل، أمّا الأول فلا متناعها منه حال الكفر؛ لأنّها مشروطة بالقربة، و هي ممتنعة من الكافر، و أيضاً لا تصح منه حال الكفر إجماعاً.
و أمّا الثاني فلسقوطها عنه بالإسلام؛ لأنّ «الإسلام يجبّ ما قبله».
أقول: و فيه بحث، فإن إزالة الكفر للكافر ممكنة فلا يمتنع منه العبادة، على أنّه لايتم في المعاملات التي لا يعتبر فيها قصد القربة، فافهم.
و بالجملة: التكليف حال الكفر و حينه لا بشرطه و لحاظه، و الأول لا بأس به، و إنّما الممتنع الثاني. و أما حديث «جبّ الإسلام» فلا عموم فيه، فإنّ الكافز كما يكلف- مثلًا- بوجب الوفاء بعقوده حال الكفر كذلك يكلف به حال الإسلام.
و خلاصة القول: إنّ هذه النظرية و إن كانت لها صورة حسنة بملاحظة جملة من الآيات المتكفّلة لبيان عدّة من الفروعات، حيث إنّ الخطاب فيها إلى الذين آمنوا، لا إلى عموم الناس، لكنّها ضعيفة الأساس منهدمة النظام، فإنّ من لا حظ القرآن من أوله إلى آخره بدقّة يجد فيه أكثر من خمسين آية دالة على تكليف الكفار بالفروع، فلا يشك حينئذٍ في بطلان المقالة المذكورة، و نحن نذكر لك جملة من الآيات الشريفة، ثم نشير إلى بقيتها في الحاشية.
فمنها: قوله تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ ... وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ وَ ارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ[١].
و منها: قوله تعالى: وَ تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ أي من أهل الكتاب يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ وَ أَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ[٢]، فتأمل.
و منها: قوله تعالى: لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ[٣] و مثله كل آية متضمنة للتكليف و خوطب فيها الناس.
[١] - البقرة ٢/ ٤٣.
[٢] - المائدة ٤/ ٦٢.
[٣] - آل عمران ٣/ ٩٦.