صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٥٥ - المقام الثالث في أقسام القضايا المشهورة
أقول: و فيه نظر، و الصحيح في الجواب أن يقال: إنّ تخطئة الشارع العقل في مورد لا يدل على سقوط حكمه مطلقاً. ففي الحقيقة أنّه خارج عن مفروض الكلام. و أمّا الوجه الثاني فهو ضعيف صغرى و كبرى، أمّا صغرى فلأجل أنّ حكم العقل- بناءً على الملازمة- يكشف عن التكليف الشرعي أيضاً، كما عرفت تفصيله، فلا يقبح العقاب على مخالفته. نعم، الخطاب الشرعي لا يستكشف به؛ لما مرّ، غير أنّ حسن العقاب غير موقوف عليه قطعاً، سيما بعد وجود الخطابات العامة الحاثّة على الطاعات و الزاجرة عن المعاصي. و أمّا كبرى فسيأتي ما فيها في القاعدة السابعة إن شاء الله، و أمّا القولان الأخيران فأدلتهما مع جوابها مذكورة في بعض كتب الأصول فلا نطيل المقام بذكرها فراجع.
المقام الثالث: في أقسام القضايا المشهورة
قال بعض الأعلام[١]: إنّ القضايا المشهورة المتمحّضة في الشهرة على أقسام:
منها: ما فيه مصلحة عامة، كالعدل حسن، و الجور قبيح، و عبّر عنها بالتأديبات الصلاحية.
و منها: ما ينبعث عن الأخلاق الفاضلة، كالحكم بقبح كشف العورة؛ لانبعاثه عن الحياء و هو خلق فاضل.
و منها: ما ينبعث عن رقّة أو حمية أو أنفة أو غير ذلك، و استلزام الحسن و القبح عقلًا للحكم الشرعي بالمعنى المتقدم فيما كان منشؤه المصالح العمومية واضح؛ لأنّ الشارع يرى المصالح العمومية و كذا ما ينبعث عن الأخلاق الفاضلة؛ لأنّ المفروض أنّها ملكات فاضلة، و المفروض انبعاث الحكم بالحسن و القبح عنها، و أمّا ما ينبعث عن انفعالات طبيعية من رقة أو حمية أو أنفة أو غير ذلك فلا موجب لاشتراك الشارع مع العقلاء، و لذا ترى أنّ الشارع ربما يحكم لحكمة و مصلحة خاصّة بما لا يلائم الرقّة البشرية، كالحكم بجلد الزاني و الزانية غير ذات البعل مع كمال التراضي ...، و الحكم بقتل الكافر و سبي ذرارية، و أشباه ذلك. انتهى.
أقول: إنّما نقلنا كلامه لترتب فوائد مهمة عليه في موارد كثيرة، و به يرتفع الاشتباه و التحيّر الحاصل من الخلط بين العاديات و العقليات.
ثم إنّ الأقوى الحاق القسم الثاني بالثالث دون الأول؛ لانبعاث الأخلاق غالباً من العادات، بمعنى، أنّ مصاديقها و ما به تبرّزها تؤخذ من الرسوم القومية و العادات غير العامة؛ و لذا ترى أن كشف العورة غير قبيح عند جميع الناس، فقد رأينا في بعض الأسفار أناسا كاشفي العورة
[١] - نهاية الدراية ٢/ ١٣٠.