صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٨٦ - المقالة الأولى في مسلك التفويض
القاعدة الخامسة: في إبطال الجبر و التفويض و تحقيق الأمر بين الأمرين
لا شك في أنّ الممكنات بأسرها منتهية إلى الواجب القديم و لو بوسائط، و في أنّ الأجسام و الأعراض- سوى الأفعال الاختيارية- صادرة عنه تعالى ابتداءً، كما عليه المتكلمون قاطبة، و إنّما المهمّ هو معرفة كيفية الأفعال الصادرة عن بعض الممكنات بالاختيار و الإرادة و استنادها إلى الواجب الوجود، فإنّها أمر عجيب و سرّ غريب قد تبلد فيه الأفهام و تزلّ الاقدام، و قلّ من أصاب الحق و فاز بالمرام! فإنّ البرهان قائم- قياماً قطعياً أو ضرورياً- على أنّه لا موجود إلا و يجب فيه تأثر الواجب، و العيان حاكم بأنّ الأفعال الاختيارية صادرة بإرادة الفاعل و محض قصده، و البرهان أيضاً يساعده كما سيأتي، و الجمع بين الأمرين أوجب بلبلةً في علمي الكلام و الفلسفة، بل المسألة- كما قيل نشأت منذ نشأة الفلاسفة الأغر يقيّين قبل الإسلام.
و ممّا يوجب مزيد الاهتمام بهذه المسألة أنّها ليست من البحوث العلمية فقط، بل لها ارتباط قوي و تأثير مستقيم في النظام الاجتماعي و الناموس الأخلاقي، فإنّ القول بالجبر و سلب الاختياري عن الإنسان- مثلًا- يبرئ المجرم من المسؤولية أمام المجتمع، و لا يرى لسعيه نحو التكامل النفسي و المادي أثراً أبداً، فإنّ التدبير محكوم عليه للتقدير، و الإنسان عنده كالسكّين في يد القصاب، فهذا القول يبرّز جميع الجنايات بلا شرط و قيد.
فلا بد للعاقل من تحقيق المقام و اتّباع الحق، فإنّ الحقّ أن يتّبع، و ها نحن نفصل لك المسألة في طيّ مقالات بعون الله و تسديده:
المقالة الأولى: في مسلك التفويض
قالت المفوّضة: إنّ الله أوجد العباد، و أقدرهم على تلك الأفعال، و فوّض إليهم الاختيار، فهم مستقلون بإيجاد تلك الأفعال على وفق قدرتهم و إرادتهم. و قالوا: إنّ الله تعالى أراد منهم الإيمان و الطاعة، و كره منهم الكفر و المعصية. و قالوا: و على ضوء ذلك تتّضح أمور: ١- صحة التكليف و الوعد و الوعيد. ٢- استحقاق الثواب و العقاب. ٣- تنزيه الله عن إيجاد القبائح