صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٨٧ - المقالة الأولى في مسلك التفويض
و الشرور من أنواع الكفر و المعاصي و المساوئ، إذ الجبر لا يجامع مع شيء من هذه الأمور كما لا يخفى، فكل واحد من هذه الوجوه الثلاثة دليل قطعي و كاشف إنّي من اختيار العبد.
هذا، مع أنّ الضرورة قائمة على تحقق الاختيار و استناد أفعالنا إلينا، و تأثير إرادتنا فيها، أترى أنّ نزولنا من السطح على الدراجة مع سقوطنا منه قهراً على حدّ سواء، أو أنّ حركة اليد المرتعشة مع حركة يد الكاتب لا تفرقان؟ هكذا نقل عن المفوّضة، و هم أكثر المعتزلة أو جميعهم كما يظهر للمراجع إلى كتب هذا الفن.
أقول: ما ذكروه من الوجوه الثلاثة و دعوى الضرورة من الأمور القطعية الواضحة التي لا يمكن لعاقل أن يتوقف في صحتها، بل هي ضروري الإذعان، و من يجحده فإنّما يجحده باللسان، لكن نتيجتها ليست استقلال العبد في أفعاله كما تخيّلوه، و إنّما هي تبطل الجبر وحده، و لا دلالة لها- و لو دلالة ضعيفة- على استغناء العبد عن خالقه في حركاته و سكناته، و ستعرف أنّ الحق المطابق للعقل و النقل هو الأمر بين الأمرين، لا الجبر و لا التفويض.
هذا من ناحية استدلالهم، و أمّا من ناحية الدعوى نفسها فهي مزيّفة بوجهين:
الأول: افتقار الممكن في جميع شؤونه إلى الواجب بقاءً كما في حدوثه، و قد مرّ برهانه القطعي في بيان خواص الممكن في الجزء الأول، و هذا المذهب يستلزم استغناءه عن الواجب بقاءً في صفاته و أفعاله فلا ريب في فساده.
الثاني: بطلان مذهب المجوس و رداءته باتفاق من المسلمين؛ و ذلك لأنّ القول باستقلال المكلف و غيره بأفعاله أردأ و أشنع من قول المجوس، فإنّهم قالوا بمبدأين فقط: (يزدان، و أهرمن)، و هؤلاء قالوا بمبادئ كثيرة حسب تعدد أفراد الإنسان و الحيوان و الجنّ و غيرهم، بل لا شبهة أنّ هذا المذهب- أي جعل أفراد الناس و غيرهم خالقين لأفعالهم و مستقلين بآثارهم- أقبح من مذهب من جعل الأصنام أو الكواكب شفعاء عند الله.
تنبيه:
هذا كله على تقدير إرادتهم من استقلال الإنسان- مثلًا- بأفعاله هو عدم احتياجه فيها إلى الواجب، و أمّا إذا زعموا عدم قدرة الله تعالى على أفعالهم فالخطب أفضح و أقبح، بل لعلّ بطلانه حينئذٍ يكون ضرورياً في دين الإسلام، فإنّ أفعال الإنسان ممكنة، و الله قادر على كل ممكن، و المظنون بدواً أنّهم نفوا الحاجة إلى الواجب، لا المقدورية له، فإنّ نفي الاحتياج يكفي لإثبات مذهبهم في هذا المقام، و لا حاجة إلى إنكار قدرة الله على أفعالنا، و إنّي- لحدّ الآن- لم أفز على عبارة اعتزاليّ دلت على إنكارها، لكنّ الظاهر من جملة من كلمات الباحثين أنّهم- أي المعتزلة- ينكرون كون الأفعال المذكورة مقدورة لله تعالى.