صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٦٢ - القاعدة الرابعة في تبعية أفعاله للأغراض
و أمّا القول الثاني فهوظاهر الفساد و واضح البطلان؛ فإنّ الفعل الخالي عن الغرض قبيح قطعاً، و الحكيم العدل منزّه عنه، بل هو ممتنع؛ لاستلزامه الترجيح من غير مرجح كما هو ظاهر، و قد عرفت في الجرء الأول استحالته بما لا مزيد عليه.
و أمّا ما اعتذر به بعضهم من أنّ القبيح ما يخلو من الفائدة دون الغرض فهو ضعيف جداً، ضرورة عدم زوال قبح العبث بمجرد اشتمال الفعل على فائدة ما لم يكن الفعل المذكور مستنداً إليها استناد المعلول إلى علّته الغائية.
فإذن تعيّن القول الأول و بان صحته، لكن للفلاسفة و الأشاعرة عليه إيرادات لابد من النظر فيها، و أنّها صحيحة أم لا؟ و إليك بيانها:
١- من طريق امتناع الاستكمال، بيانه: أنّه لو كان لفعله غرض من تحصيل مصلحة أو دفع مفسدة لكان هو ناقصاً في ذاته مستكملًا بتحصيل ذلك الغرض، لأنّه لا يصلح غرضاً للفاعل إلا ما هو أصلح له من عدمه، فإنّ ما استوى وجوده و عدمه بالنظر إلى الفاعل لا يكون باعثاً له على الفعل و سبباً لإقدامه بالضرورة، فكل غرض لا بد أن يكون وجوده أصلح للفاعل و أليق به من عدمه، و هو معنى الكمال، فإذن يكون الفاعل مستكملًا بوجوده و ناقصاً بدونه.
لا يقال: هذا إذا رجع الغرض إلى الفاعل، و أمّا إذا كان عائداً إلى غيره فلا يلزم الاستكمال، و الغرض في فعله تعالى من قبيل الثاني لتعاليه عن التضرر و الانتفاع.
فإنّه يقال: إنّ العائد إلى الغير إن كان أولى بالنسبة إليه تعالى من عدمه جاء الإلزام المذكور، و إلا لم يصلح لأن يكون غرضاً له بالضرورة.
أقول: و لعلّه عمدة الوجوه، استدل به الأشاعرة على نفي الغرض مطلقاً، و الفلاسفة على إنكار الغرض الزائد على ذاته، و لكنّ الأشاعرة لا يجوز لهم التشبّث بهذا الوجه لتجويزهم استكماله تعالى بصفاته الزائدة على ذاته، كما اعترف بعضهم به في المقام.
و أمّا الشبهة في نفسها فالصحيح عدم تماميتها؛ إذ الغرض من فعله تعالى هو إيصال النفع إلى الغير مثلًا، قولهم: «العائد إلى الغير إن كان أولى له من عدمه فقد جاء الاستكمال» خالٍ عن التحصيل، فإنّه إن أريد بالاستكمال تخلّص ذاته من النقصان و تحلّيها بالكمال فالتالي و إن كان ممتنعاً، لكنّ الملازمة فاسدة؛ لأنّ البحث في أفعاله دون ذاته و صفاته الذاتية التي هي متساوية النسبة إلى جميع الممكنات. و إن أريد به نفي القبح عن فعله كما هو المناسب للمقام فهذا مما لا شك في صحته، ضرورة قبح الفعل الخالي عن الغاية.
فنقول: أفعاله تعالى تابعة للأغراض الزائدة على ذاته، و وجوداتها أولى بالنسبة إليه تعالى من أعدامها، و لكنّ هذه الأولوية لا تستلزم استكماله تعالى في ذاته، و لا إزالة استحقاق الذمّ