صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٣٠٣ - الجهة الثالثة التفصيل في الإيلام المنسوب إلى الله تعالى
بالعبد: إمّا أن يكون على وجه الانتقام و العقوبة ... و لا عوض فيه، و إمّا أن يكون على وجه الابتداء، و إنّما يحسن فعله من الله تعالى بشرطين: أحدهما: أن يشتمل على مصلحة إمّا للمتألّم، أو لغيره، و هو نوع من اللطف؛ لأنّه لو لا ذلك لكان عبثاً، و الله تعالى منزّه عنه. الثاني: أن يكون في مقابلته عوض للمتألّم يزيد على الألم، بحيث لو عرض على المتألّم الألم و العوض اختار الألم، و إلا لزم الظلم و الجور من الله تعالى على عبده ... إلى آخره.
أقول: الظاهر أنّ نسبة هذا الفرع إلى الإمامية باعتبار اتفاقهم على أصل الكبرى، و هي تنزّه أفعال الحق الحكيم من العبث و الظلم، و طبّقها هو (رحمه الله) على المقام باجتهادٍ منه، و إلّا فاتفاقهم على خصوص الفرع المذكور بعيد جداً.
و الصحيح في المقام: التفصيل، و هو: أنّ المصلحة إن كانت راجعة إلى المتألّم نفسه فلا يستحقّ عوضاً على الله تعالى عقلًا، فالمصلحة المذكورة كما توجب زوال اللغوية و العبثية كذلك توجب بطلان الظلم أيضاً، بل تصيّر الإيلام تفضّلًا و إحساناً، كما إذا علم أنّه لو أمرض زيداً لترحم عليه فلان و لأعطاه مالًا يكفي مؤونة عمره مثلًا، أو لحبس في بيته و سلم من القتل اللازم عليه على تقدير دخول السوق، و من الضروري أنّ المرض المذكور محض تفضّل من الله تعالى عليه، و لا معنى لاستحقاقه العوض الآخر أيضاً، و هذا واضح.
و إن كانت المصلحة المذكورة راجعة إلى غير المتألّم فقط فلا شك في استحقاقه للعوض المذكور.
فاعتبار اجتماع الشرطين معاً في حق المتألّم كما هو ظاهر كلامه (قدس سره) غير متين، بل اللازم في إيلامه هو المصلحة دائماً، فإن عادت إلى المتألّم فلا حاجة إلى شيء آخر، و إن رجعت إلى غيره فلا بد له من عوض، فلا تجتمع المصلحة و العوض للمتألّم أبداً، و هذا هو الحق في المقام، و منه ينقدح فساد النزاع الواقع بين بعض أشياخ المعتزلة بكلا وجهيه، فلاحظ[١].
و أمّا الذي أفاده من كون المصلحة المزبوره لطفاً فهو الذي اختاره المحقق الطوسي- نوّر الله مرقده- في تجريده، و غيره في غيره، فقالوا: لا بد أن تكون المصلحة لطفاً، لكنّني لم أفهم وجهه؛ إذ مجرد المصلحة المذكورة يكفي لحسن الإيلام، و إن لم يكن مقرّباً إلى الطاعة و مبعداً عن المعصية، و ليس إفضاله منحصر بالجهات الأخروية دائماً، فالصحيح هو اعتبار مطلق المصلحة المتوقفة عن الإيلام المذكور في صيرورته حسناً و تفضّلًا، و أمّا إذا لم يكن للمصلحة المذكورة توقف فيقبح الإيلام، و إن أعطاه الله تلك المصلحة فإنّه و إن لم يكن ظلماً لكنّه عبث،
[١] - راجع شرح التجريد للعلّامة الحلّي/ ٢٠٥.