صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢١٠ - المقالة الخامسة في مذهب الحكماء
أسفاره و إنّما ذكرهما تفنّناً.
و أمّا الوجه الثالث فهو بعد لم يخرج عن ميدان الادّعاء، فهو مصادرة، كما لا يخفى.
و أمّا الآيات القرآنية فما اشتمل منها على رؤية الأعمال يوم القيامة غير مربوط بالمقام، فإنّ المدّعى أنّ الأعمال تتجسّم في القبر و القيامة بأشكال موجودات منعّمة و معذّبة، كالحور و الغلمان و الفواكه و السرور و غيرها، و كالحيّات و العقارب و النار و الزقّوم و أمثالها، فيلتذ بها الإنسان أو يتأذي بهما و مجرد رؤية العمل بتجسّمه لا يدل على أنّه الثواب نفسه أو العقاب، بل لعلّ تجسّمه لأجل تثبيت عمله عليه ليرى عيناً، فيكون أو كد في إقناعه أو سروره أو انفعاله، و لعلّ قوله تعالى: تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً ناظر إلى ذلك، أي من جهة انفعاله به، فتأمّل.
و أمّا العقاب و الثواب المحقّقان بالنار و دخول الجنة و نحوهما فهما موجودان مستقلّان مبائنان للعمل، مستندان إلى إرادة الله تعالى جزاءً على عملهم، بل يمكن أن يقال: إنّ الرؤية لا تستلزم التجسّم أبداً؛ لما ينقل عن بعض الرياضيين ممّن قارب عصرنا من أنّ الأفعال و الحركات محفوظة في محالّها ممكنة الرؤية في حدّ نفسها، فلو قويت باصرة البشر أو حاز حاسّة سادسة لرآها بعينها، فإن شرائط الرؤية في الأرض و بعض المجرّات الأخرى، لعلّها تختلفه. فتأمل.
و بالجلمة: لو لم نقل: إنّ المستفاد من هذه الآيات الكريمة حسب متفاهم العرف العام- و هم المخاطبون بالخطابات القرآنية- هو رؤية جزاء العمل، لما دلت على مقصودهم، أيضاً، كما عرفت، و منه يظهر الحال في قوله تعالى: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا، فإنّه لا يدل على كون العمل عقابا، و لا على تجسّم العمل، و العمدة قوله: إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، لكن قوله تعالى: جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ينافيه، فلا يبقى مجال للاعتماد على ظهوره.
ثم إن هنا وجهين- آخرين يدلان على نفي عموم التجسّم المذكور.
الأول: ما في كثير من الآيات من استناد الثواب و العقاب إلى الله تعالى، و إنّه هو المثيب و المعاقب، و أمّا ما سبق من بعضهم من أنّ الاستناد المذكور إنّما هو لأجل إفاضة الصورة فهو خلاف متفاهم العرف، إلا أن يقال أن استثنا شيء إلى الله تعالى- و هو الله- البعيدة، و إلى غيره