صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٠٣ - المقالة الرابعة في بيان الأمر بين الأمرين
فالواجب الوجود هو الذي يبقي النفس و يعطيها القوة و المكنة و الاقدار على إيجادها الأفعال، بل الشوق الذي هو من مرجحات إرادتها و قصدها نحو الفعل مخلوق لله تعالى بلا مدخلية لاختيار النفس، بل هي مجبولة و مفطورة على اشتياق ما يلائمها و التنفّر عمّا يزاحمها، و إنّما للنفس- بإذن الله و إقداره و تمكينه- هو الاختيار في قصدها نحو الفعل و عدم قصدها نحوه، فلها أن تفعل، و لها أن لا تفعل، و لكن إذا فعلت فعلت بقوة الله التي أعطاها.
و على الجملة: الإنسان في أفعاله- سواء كانت صالحة كالصلاة و الإحسان، أو سيئة كالزنا و الظلم و قتل ولي- محتاج إلى ربه في وجوده و في علمه، بأن يفيض عليه آناً فآناً بحيث لو أمسك فيضه لحظة لعدم و فنى، و لم يكن شيئاً مذكوراً! و للعبد القصد و إعمال هذه القدرة، فلا جبر و لا تفويض، بل أمر بين الأمرين.
أما عدم الجبر فلأنّ العبد مختار، له أن يفعل، و له أن لا يفعل، و هذه صفة أعطاها الله الإنسان حتى يصح تكليفه بما يقتضي تكامله النفسي و ارتقائه المعنوي. فالقصد يصدر عن النفس بتمكين من الله من غير صيرورته واجباً بالوجوب السابق، كما دريت وجهه سابقاً، و عليه فقد ظهر فائدة التكليف و الوعد و الوعيد و التربية و استحقاق الجزاء عند الله تعالى و عند الناس في نظامهم الاجتماعي.
و أمّا عدم التفويض فلأنّ العبد محتاج إلى إمداده و إفاضته تعالى في وجوده و إبراز أفعاله في كلّ آن، بحيث لو لا تمكينه لما قدر على شيء أبداً، و قد عرفت في الجزء الأول أن إرادته تعالى هي إحداثه و إعمال قدرته و إفاضته- و ما شئت فعبر- فيثبت أنّ جميع الأشياء بإرادته تعالى، حتى الأفعال الاختيارية للإنسان وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ لكن لا بمعنى أنّ الله يوجد عمل زيد- مثلًا- كما يوجد سواد لونه حتى يكون زيد مسلوب الاختيار، بل بمعنى أنه تعالى يفيض عليه لأن يعمل باختياره، و هذا هو الأمر بين الأمرين.
و يصح لنا حينئذٍ أن نقول في مقام تنزيه الحق و عدله و حكمته: سبحان من تنزّه عن الفحشاء، و أن نقول في مقام عظمته و قدرته و جبروته و سلطنته: سبحان من لا يجري في ملكه إلا ما يشاء، كما نطقت به الروايات المتقدمة أيضاً.
وهم و إزاحة:
بعد ما عرفت أنّ القصد قائم بالنفس قياماً صدورياً، و أنّه صادر عنها بلا واسطة شيء أصلًا، و أنّ قاعدة «ما لم يجب لم يوجد» غير جارية فيه وجداناً، و أنّ الفعل و إن كان مترتباً عليه قهراً،