صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٩٩ - تذييل
و مشاقّه و آلامه على ما لا يحصى من أضعافه التكليف للأعمال، و ليس يتعرّون من الأمر و النهي بعقولهم حسب ما شرحناه، ثم نسبه إلى جمهور المتكلّمين من أهل بغداد أيضاً، و نقل الخلاف فيه عن البصريّين منهم. و نقل الطبرسي في مجمع البيان في تفسير سورة الرعد: أنّ النجّار و جماعة قالوا بتكليف أهل الآخرة.
و انطلاقاً من جميع ما تقدم منّا يتضح أنّ التكليف ليس بواجب على الله تعالى عقلًا.
و الصحيح أن يقال: إنّ الغاية من خلق الإنسان- مثلًا- هي الرحمة الرحيمية الموقوفة على التكليف شرعاً، كما فصّلناها في القاعدة الرابعة، و عليه يجب عليه تعالى تكليفهم لئلّا يلزم نقض الغرض القبيح عقلًا، و أمّا عدم وصوله للجاهل القاصر و غيره فلا محذور فيه؛ لجواز التخصيص في الأدلة النقلية.
فوجوب التكليف ليس من العقليات الصرفة كما قالوه، بل من غير المستقلة، ضرورة عدم حكم العقل بقبح ترك التكليف إذا لم يخبر الشرع عن كونه غاية و غرضاً من إيجاد الانسان و وسيلة إلى الرحمة الرحيمية.
و يدل على وجوبه أيضاً قوله تعالى: وَ عَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ[١]، فإنّ كلمة «على» ظاهرة في الوجوب، كما في قوله: لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ[٢]. و كذا يدل عليه قوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى و هاتان الآيتان شاهدتان على بطلان مقالة من ينكر الوجوب على الله تعالى، فافهم.
و أمّا قوله تعالى: قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً ... إلى آخره، فهو و إن كان ظاهراً في عدم لزوم بيان الهدى لمكان كلمة «إن» الشرطية، لكنّه لا مجال للاعتماد على الظهور المذكور بعد ما عرفت، فيمكن حمله على إرادة إبهام الأمر للمخاطب، لا على عدم لزوم التكليف واقعاً.
[١] - النحل/.
[٢] - الحجّ/.