صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٦١ - القاعدة الرابعة في تبعية أفعاله للأغراض
الاقتضاءعلى الأعم منه الذي هو عدم الانفكاك، و إلا فلا برهان على مغايرة الفاعل و الغاية، فإنّ الفاعل هو ما يفيد الوجود، و الغاية هي ما يفاد لأجله الوجود، سواء كان عين ذات الفاعل أو أعلى منها.
فإن قلت: الغاية متأخرة وجوداً عن الفعل، مع أنّ تأخر الواجب عن فعله وجوداً غير معقول.
قلت: قد اعتذر عنه بأنه إنّما يتمّ إذا كانت الغاية من الكائنات، و أمّا إذا كانت ممّا هو أرفع من الكون فلا تتأخر عن الفعل.
أو يقال: إنّ الواجب أول الأوائل من جهة كونه علة فاعلية لجميع الأشياء، و علة غائية و غرضاً لها، و هو بعينه آخر الأواخر من جهة كونه غاية و فائدة تقصده الأشياء و تتشوق إليه طبعاً و إرادة[١].
أقول: و يتخلّص هذا القول إلى أمور ثلاثة: الأوّل: لا غاية ذاتية مباينة لفعله، الثاني: غايته من فعله نفس ذاته، الثالث: لكلّ فعل من أفعاله غاية أو غايات عرضية زائدة على ذاته تعالى، كالمصالح و المنافع مثلًا، فإنّها و إن لم تكن علة لفاعلية الحق- كما هي معني العلة الغائية- لكنّها مترتبة على الفعل ذاتاً لا عرضاً.
أقول: هذا القول مزيّف؛ فإنّ الأمر الأول يفسده ما يفسد القول الثاني بلا فرق، و ستعرف إن شاء الله أنّ ما دعاهم إليه ضعيف البنيان مختلّ الأساس.
و أمّا الأمر الثاني فهو ممنوع جداً، فإن ذاته تعالى لا تصلح لصيرورتها علة غائية، فإنّ الغائية متقدمة ذهناً و متأخرة وجوداً، و هذا المعنى غير متأتّ في حقّ الواجب. و أمّا الاعتذار المتقدم فهو ممّا لا طائل تحته بكلا وجهيه، كما لا يخفى على الخبير. و أمّا ما لفّق في تقرير هذا الأمر من أنّه مبتهج بذاته فيبتهج بآثاره فقد ذكرنا غير مرّة أنّه كلام شعري بحت، يتوقف صدقه على بناء فاسد و هو قياس الواجب على الممكن، أين التراب و ربّ الأرباب؟! و إلا الابتهاج و الحب و الرضا و نحوها من الكيفيات النفسانية الحيوانية غير معقولة في حق جناب المجرد القديم، و إن أريد بها معنى آخر فلا بد من تصويره و تقريره حتى ينظر فيه. هذا، مضافاً إلى استلزامه عدم اتصافه تعالى بالجود حقيقةً، و عدم كونه منّافاً و جواداً على الإطلاق، فإنّه إذا كان فعله لحب ذاته لا لمجرد نفع الغير لا يحصل له كمال الإحسان، كما هو كذلك بناءً على القول الأول، فتأمّل.
[١] - الأسفار ٢/ ٢٧٨. الطبعة الحديثة.