صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢١٤ - المقالة السابعة حول السنة
و منها: ما استظهره المجلسي من الأخبار المعتبرة، و تبعه عليه بعض السادة، قال بعد تفسيره الجبر و التفويض بمعناهما المعروف[١]: و أمّا الأمر بين الأمرين فهو أنّ لهداياته و توفيقاته تعالى مدخلًا في أفعالهم، بحيث لا يصل إلى حدّ الإلجاء و الاضطرار، كما أنّ لخذلانه سبحانه مدخلًا في فعل المعاصي و ترك الطاعات، لكن لا بحيث ينتهى إلى حدّ لا يقدر معه على الفعل و الترك ... إلى آخره.
أقول: كلامه بطوله ظاهر في أنّ المراد بالأمر بين الأمرين هو اللطف المصطلح، و هذا من مثله عجيب، إذ لا ربط بين المسألتين أصلًا، مع أنّ المباح لا هداية فيه و لا خذلان، فلازم كلامه تفويض الأفعال المباحة إلى العبد، مع أنّه مقطوع البطلان بلحاظ دلالة الروايات فضلًا عن حكم العقل باستحالته. نعم، إنّ بعض الروايات يدل على ما ذكره، لكنّ الأمر بين الأمرين الذي هو يقابل الجبر و القدر لا يتحد معه، فالحق في تفسيره ما ذكرنا.
ثم إنّ هنا أقوالًا أخرى تركنا ذكرها و بيان ما فيها مخافة التطويل، و اعتماداً على فهم القارئ بعد الإحاطة بما ذكرنا، و الله وليّ التوفيق و السداد، و عليه الاتّكال و الاعتماد.
المقالة السابعة: حول السنة
الروايات الواردة حول الاستطاعة و إبطال الجبر و التفويض و إثبات المنزلة بينهما كثيرة ربّما تتجاوز المائة، و قد نقلها العلامة المجلسي (رحمه الله) في بحاره[٢]، و الذي يظهر منها أنّ التفويض الباطل على معانٍ:
١- غلبة إرادة العبد على إرادة الله تعالى، و وقوع الفعل حسب مشيئة العبد و إن كان مخالفاً لإرادة الله تعالى، يدل عليه جملة من الروايات.
٢- نفي تكليف العباد و رفع الحظر عنهم في أفعالهم، و لعلّ أكثر الأخبار الواردة في إبطال التفويض ناظر إلى هذا المعنى، كما يظهر لمن تدبّرها، و من هنا فسّؤ المفيد (قدس سره)[٣] التفويض- بقول مطلق- بالقول برفع الحظر و الإباحة للعباد مع ما شاؤوا من الأعمال، و قال هذا القول الزنادقة و أصحاب الإباحات، و الواسطة بين هذين القولين: أنّ الله أقدر الخلق على أفعالهم و مكّنهم من أعمالهم، و حدّ لهم الحدود في ذلك ... و نهاهم عن القبائح بالزجر و التخويف و الوعد و الوعيد ...
[١] - لاحظ مرآة العقول ١/ ١١٦، و قد ذكره في بحاره ٥/ ٨٣ أيضاً.
[٢] - لاحظ بحار الأنوار/ اوائل الجزء الخامس.
[٣] - شرح عقائد الصدوق/ ١٤.