صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢١٣ - المقالة السادسة في بيان بقية المذاهب
مسلكنا أيضاً، و أمّا مان في جملة من الروايات: «أنّ الله أولى من العبد بالحسنات، و العبد أولى منه بالسيئات»، بل في التنزيل: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَ ما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ[١]، فالوجه فيه: أنّ الحسنة بإرشاد الله و هدايته و أمره، و السيئة من سوء اختيار العبد و اشتهاء نفسه، و الله تعالى نهى عنها و توعّد عليها، فالأولوية بهذا الاعتبار، و إلا فلا فرق بين الحسنات و السيئات من ناحية الإفاضة و التمكين و تمكّن العبد أصلًا، و في بعض تلك الروايات: «و بنعمتي أدّيت إليّ فرائضي، و بقدرتي قويت على معصيتي»، و هذا ظاهر، و لذا لم يفصل أحد بينهما.
لكنّ الذي يوجب رفض هذا القول هو عدم كفاية صحة الفعل إلى العبد لصحة التكليف و استحقاق الجزاء، بل و لما هو المشهود وجداناً و عياناً من اختيارنا، ما لم يقل: إنّ العبد متمكّن من الفعل و الترك على نحوٍ أسفلناه، و إلا فنسبة وجودنا و بعض صفاتنا إلينا أيضاً صحيحة بلا شائبة عناية، و مع ذلك هو خارج عن قدرتنا و إرادتنا.
و على الجملة: إن قالوا مع ذلك بتمكّن العبد من الترك و الفعل كما قلنا فقولهم هو الأمر بين الأمرين، و إن لم يقولوا- كما هو الظاهر- فهو جبر محض يبطله الوجدان قبل البرهان.
و منها: ما قيل من أنّ المراد من الأمر بين الأمرين كون بعض الأشياء باختيار العبد و هي الأفعال الاختيارية، و بعضها بغير اختياره، كالصحة و المرض و النوم و أشباهها.
أقول: و ضعفه ظاهر، فإنّ الأول تفويض محض، و الأمثلة في الشقّ الثاني قد تكون اختيارية، و قد تكون اضطرارية قهرية، على أن المفوضة أيضاً لم يدّعوا أنّها اختيارية دائماً.
و منها: ما ذكره الفاضل الطريحي في مجمع البحرين في مادة (القدر)، قال: و الذي يظهر من كثير من الأحاديث أنّ العبد ليس قادراً تاماً على طرفي فعله، كما هو مذهب المعتزلة، و إنّما قدرته التامة على الطرف الذي وقع منه فقط، و أمّا على الطرف الآخر فقدرته ناقصة، و السبب في ذلك- مع تساوي نسبة الأقدار و التمكين منه تعالى إلى طرفي الفعل- أمر يرجع إلى نفس العبد، و هو إرادة أحد الطرفين دون الآخر، لا من الله فيلزم الجبر ... فالقدرة التامة للعبد على ما زعمه المعتزلة باطلة، و القول بعدم القدرة على شيء من الطرفين كما زعمه الأشعرية أظهر بطلاناً، و الحقّ ما بينهما هو القدرة التامة فيما يقع من العبد فعله، و الناقصة فيما لم يقع ... إلى آخره.
أقول: فساده واضح، و عدم دلالة الأحاديث عليه لائح.
[١] - النساء/ ٧٩.