صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٣٨ - القاعدة الأولى في أنه تعالى لا يفعل القبيح
القاعدة الأولى: في أنّه تعالى لا يفعل القبيح
تنزيه فعله عن القبيح مما لا خلاف فيه، بل قيل: إنّ الملّيين أجمعوا عليه.
أقول: و دليله واضح، فإنّ الواجب عالم بجميع جهات الأشياء، و اعتباراتها المحسّنة و المقبّحة، و قادر على جميع الأمور الممكنة، و غني عن كل شيء، و ليس له شهوة و حاجة إلى شيء.
و على الجملة: ليس فيه مبدأ سوى المبدأ الفكري العقلي، فلا يعقل القبيح بالضرورة، بل مرّ في مبحث حكمته تعالى أنّه لا يصدر الفعل عنه إلا على أكمل أنحاء ما يمكن صدوره.
و على الجملة: اتصاف أفعاله بالحسن ممّا لا خفاء فيه بعد التوجه إلى ثبوت الحسن و القبح للأفعال في أنفسها، مع قطع النظر عن الشرع، فإنّ القبيح مما يتنافره العقول فكيف بخالق العقول و العلوم؟
و أمّا المنكرون للحسن و القبح فيقولون: لا قبح بالنسبة إليه! فكل ما يفعله- و لو كان تعذيب أنبيائه المعصومين- فهو حسن! فأسندوا جميع القبائح الموجودة إلى الله تعالى، و التزموا- في مقام البحث- بأنّ أفعال العبد مخلوقة لله تعالى و مع ذلك كان العبد هو المسؤول المعاقب على قبائحها!! و لكنّه ظلم بحث أسندوه إلى الله تعالى و الله- بحكمته و عدله- بريء عنه، قال الله تعالى: وَ مَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ[١]، و قال: وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً[٢]، و قال: وَ ما ظَلَمْناهُمْ وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ[٣] إلى غير ذلك من الآيات القرآنية، فقد أخبر أنّه عادل لا يظلم أحداً. و هذه الآيات ظاهرة في أنّ هنا قوانين نفس أمرية لا بد من رعايتها، و أنّ التعدّي عن حدودها ظلم و قبيح؛ و لذا نفاه الله عن نفسه. و توهّم أنّ نفيه تعالى الظلم عن نفسه بانتفاء الموضوع، و أنّه لا موضوع للظلم في حقه؛ لأنّه المالك المطلق تمزيق لدلالة الآيات الشريفة
[١] - غافر ٤٠/ ٢١.
[٢] - الكهف ١٨/ ٤٩.
[٣] - النحل ١٦/ ١١٨.