صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٣٢ - المقالة التاسعة في أن القدر و القضاء لا ينافيان الاختيار
رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَ اشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ.
أقول: ظاهره أنّ الرضا بالكفر من جهة زيادة عقاب الكافر، و هذا أجنبي عن المقام المبحوث فيه عن تعلق الرضا بالكفر، من حيث إنّه تعلق به القضاء، لا من حيثية أخرى، فالإشكال باقٍ على حاله.
٣- ما ذكره الحكيم الشيرازي في رسالة «القضاء و القدر»[١] بعد إنكاره الجواب الأول، قال: بل الحقّ في الجواب أن يفرّق بين القضاء بالذات و بالعرض، و المأمور به هو الرضا بما يوجبه القضاء بالذات، هو الخيرات كلّها و المنهيّ عنه هو الرضا بما يلزم من القضاء على سبيل العرض، و هي الشرور اللازمة للخيرات الكثيرة، و هذه أيضاً إذا لم تعتبر من هذه الحيثية، بل قصد إليها بالذات و بالقياس إلى هذا الشخص الجزئي الموصوف به.
و أمّا إذا اعتبر كونها متضمّنه للمصالح و الحكم الكلّية بالقياس إلى النظام الكلّي فلا شرّ أصلًا؛ لأنّ هذا الترتيب من لوازم الوجود و الإيجاد ... إلى آخره. و قد سبقه إلى هذا الجواب أستاذه السيّد المحقق الداماد، كما نقل كلامه في أسفاره، قال ...: بل إنّما تعلق به- أي بالكفر- القضاء بالعرض، فكان مقضيّاً من حيث هو لازم للخيرات الكثيرة، لا من حيث هو كفر، فإذن إنّما يجب الرضا به من تلك الحيثية لا من حيث هو كفر، و إنّما الكفر الرضا بالكفر بما هو كفر، لا بما هو لازم خيرات كثيرة لنظام الوجود. انتهى.
و لعلّ هذا قول جمهور الفلاسفة، لكنّه غير تام أيضاً، أمّا في المصائب فلأجل صحة تعلق الرضا بها من حيث صدورها من الله تعالى من دون اعتبارها لازمة للخيرات الكثيرة. و أمّا في المعاصي فلأنّ القول المذكور مبنيّ على أنّها من فعل الله تعالى. و أمّا بناءً على أنّها من قبل العبد- و لو بنحو مرّ تحقيقه- فهي ليست متعلقة لقضائه تعالى حتى يتكلف بما ذكروه، بل المقضيّ- بمعنى المفاض و الصادر عن الله تعالى- هو التمكين من الكفر، و الرضا به لا محذور فيه بلا حاجة إلى هذه التكلّفات، و أمّا القضاء بمعنى الكتابة فهو متعلق بأفعاله تعالى و أفعالنا جميعاً، و الرضا به غير معارض بشيء أصلًا، فإنّ حال الكتابة حال علمه تعالى بلا فرق.
و مع الغضّ عن الجميع نقول: إنّا كلّما نتأمّل أنّ الكفر المبغوض المستلزم للخلود المنشأ لجميع المعاصي و الخبائث كيف يكون لازماً للخيرات الكثيرة؟ و ما هي تلك الخيرات؟ و ما هي صلة الكفر بها؟ و كيف لا ينفكّ عنها حتى وقع مورد القضاء بالعرض؟ لا نجد تقريباً معقولًا له، بل يزيد اعتقادنا بخرافته، مع أنّا ذكرنا في مباحث معالجة إسناد الشرور في الجزء الأول بطلان هذا
[١] -/ ٧٨.