صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٢٥ - المقالة الثامنة في دلالة القرآن المجيد
الضروري أنّ الأصنام الجامدة لا إضلال لها بوجه، غير أنّها حيث صارت مرجحة لإرادتهم عبادتهنّ و ترك طاعة الله تعالى نسب الإضلال إليها.
و يقول شيخ الأنبياء- على نبينا و آله و عليه الصلاة و السلام-: و لم يزدهم دعائي إلا فرارا. و من المعلوم أنّه دعاهم إلى القرار دون الفرار، يقول الله تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ، و يقول: هُدىً لِلنَّاسِ، ثم يقول: وَ لَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَ كُفْراً، و يقول: وَ إِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَ هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَ أَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ.
و من الظاهر أنّ القرآن نزل لهداية الناس و سعادتهم، لا لإضلالهم و إغوائهم، فنسب الطغيان و الكفر و زيادة الرجس إليه من جهة ما ذكرنا لك، ألا ترى إلى الآية الأخيرة تبيّن أنّ سورة واحدة تزيد المؤمنين إيماناً و الكافرين رجساً، و هذا كالنصّ فيما قلنا، و أنت إذا تنبّهت لذلك تعلم أنّ المراد من الإضلال المنسوب إليه تعالى في جملة من الآيات ذلك، و عليه فلا محذور فيه أصلًا.
فإنّ الضلال يستند إلى إرادة الضالّ و اختياره، لا إلى إرادة الله تعالى، و من هذه الجملة قوله تعالى: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ، و قوله: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ، و قوله تعالى: إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَ تَهْدِي مَنْ تَشاءُ. إلى غير ذلك من الآيات.
ثم إنّ لبعض المعتسفين[١] إيراداً على هذا الوجه من جهة إنزال المتشابهات القرآنية، لكنّه يندفع بأدنى توجّه إلى ما قرّرنا، فلذا تركنا نقله و نقده.
الوجه الثاني من الوجهين اللذين يمكن أن يحمل عليهما الضلالة: هو التخلية بين العبد و ما
[١] - و هو الرازي في تفسيره ١/ ٣٦١ حول قوله: وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ.