صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٥٢ - المقام الثاني في إدراك العقل العملي للحسن و القبح
و الإنقياد، مع أنّه لا يمكن كشف وجوبهما شرعاً[١].
٣- السنّة، فمنها: ما روى عن أبي جعفر (ع): «... دع القبيح لأهله فإنّ لكل شيء أهلًا»[٢].
أقول: و فيه أولًا: أنّها مرسلة. و ثانياً: أنّ إطلاق القبيح عليه لعلّه لأجل حرمته الشرعية؛ فإنّ سوق الكلام للنهي عن المنكر، فهي كالآيات الدالة على الأمر بالمعروف، و قد عرفت حالها.
و منها: قول النبي الأكرم (ص) في يوم الغدير: «ألا ما من شيء يقرّبكم إلى الجنة و يبعدكم عن النار إلا و قد أمر الله به، ألا ما من شيء يقرّبكم إلى النار و يبعدكم عن الجنة إلا و قد نهاكم عنه».
أقول: و الظاهر أنّ دلالة الرواية تامة على المطلوب، لكنّني لم أجد الرواية بهذه العبارة عاجلًا، و الموجود في الكافى[٣]: عن أبي جعفر (ع) هكذا: «خطب رسول الله (ص) في حجة الوداع فقال: يا أيّها الناس، و الله ما من شيء يقربكم من الجنة و يباعدكم عن النار إلا و قد أمرتكم به، و ما من شيء يقربكم من النار و يباعدكم من الجنة إلا و قد نهيتكم عنه ...» إلى آخره. و في البحار[٤] نقلها عن المحاسن بعبارة أخرى.
و ذكر المحقق النائيني (قدس سره) في أجود التقريرات[٥] تواتر الأخبار بهذا المضمون، و كيف ما كان فبناءً على لفظ الكافي الاستدلال غير تام، فإنّ أمر النبي و نهيه (ص) إنّما هو بعد تعلق أمر الله و نهيه، و لا شك أنّ متعلقهما مقرب إلى النار و الجنة حتى عند الأشعري، فالرواية ناظرة إلى مرحلة الامتثال دون التشريع، و لا دلالة لها على المطلوب، و إن ادّعى المحقق النائيني صراحتها في انبعاث الأحكام عن المصالح و المفاسد في الأفعال، بل لا يمكن الاستدلال بها حتى بناءً على القول بتفويض أمر التشريع إلى النبي (ص) كما هو المختار و، سياتي بحثه في محله، فان ما
[١] - و أمّا وجه عدم الإمكان فالكلام فيه طويل الذيل، و إن شئت التفصيل لاحظ: نهاية الدراية ٢/ ١٢٢ حقائق الأصول ٢/ ١٢٣ و ١٨٥ و ١٨٦ و ١٨٧، لسيدنا الاستاذ الحكيم دام ظلّه العالي.
[٢] - الرواية نقلها المجلسي في من بحاره ٦/ ٣٤ عن العياشي مرسلًا عن أبي بصير هكذا: قال كنت عند أبي عبد الله( ع) فقال له رجل: بأبي و أمي إنّي أدخل كنيفاً ولي جيران، و عندهم جوارٍ يتغنّين و يضربون بالعود، فربما أطلت الجلوس استماعاً منّي لهنّ، فقال( ع):« لا تفعل ... وسله التوبة من كل ما يكره، انه لا يكره إلا القبيح« الأكل القبيح نسخة» و القبيح دعه لأهله فإنّ لكلّ أهلًا».
أقول: و على هذا فالعمدة في الجواب هي المناقشة السندية.
[٣] - أصول الكافي ٢/ ٧٤.
[٤] - ٢/ ١٧١.
[٥] - ٢/ ٤٥.