صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٢٢ - المقالة الثامنة في دلالة القرآن المجيد
ثلاثين آية، و ظاهر آنّ من يضلل الله فلا هادي له، و لن تجد له ولياً مرشداً.
أقول: الإشكال فيها من جهتين:
الأولى: قبح إضلال الناس عن صراط الحقّ، و لو فرضنا عدم العقاب و الجزاء.
الثانية: لزوم الجبر منها كما عرفت، لكنّ الأول ساقط، فإنّ القبيح إضلال الغير ابتداءً، و أمّا انتقاماً و جزاءً على تمرّده و عصيانه فلا قبح فيه، كالعقاب و العذاب، و هذا واضح، و المستفاد من القرآن أنّ إضلاله تعالى إنّما هو للمتمرّدين، لا غير، و إليك بعض ما يدل عليه: كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ، وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ، يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ ...، كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ، كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَ شَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَ جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ.
و هذه الآيات كما ترى ناطقة باختصاص الإضلال بمن هو مسرف مرتاب ظالم كافر في مترتبة متقدمة، و إنّما يلحقه الإضلال جزاءً بعمله، و كذا الهداية للمؤمنين، كما يأتي.
و أمّا الإيراد الثاني فجوابه: أنّ هذا الإضلال لا يستلزم الجبر و الاضطرار، و توضيحه موقوف على بسط الكلام في الجملة.
فنقول: قال الرازي[١]: فاعلم ان معنى الإضلال عن الدين في اللغة هو الدعاء إلى ترك الدين و تقبيحه في عينه، و هذا هو الإضلال الذي أضافه الله تعالى إلى إبليس، فقال: إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ، و قال: وَ لَأُضِلَّنَّهُمْ وَ لَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا ....
و أيضاً أضاف الله تعالى هذا الإضلال إلى فرعون، فقال: وَ أَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَ ما
[١] - في ذيل قوله تعالى: وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ في سورة البقرة الآية: ....