صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٣٩ - المقالة العاشرة في السعادة والشقاوة و الطينة
الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ فيسّر كلًا لما خلق له، فالويل لمن استحبّ العمى على الهدى».
أقول: و هذه الرواية نعمت المفسّرة للرواية المتقدمة و ما شابهها في المضمون، مثل ما دل على أنّ الملكين يكتبان على من في رحم أمّه أنّه شقي أو سعيد، و انطلاقاً منه يظهر الحال في بقية الروايات، أو يسهل الكلام فيها، فلاحظ، و الله الهادي.
القول الثاني من الأقوال المذكورة في حلّ ذلك الاعتضال: ما ذكره الحكيم المحدّث الكاشاني في «الوافي»[١]، قال: السرّ في تفاوت النفوس في الخير و الشرّ و اختلافها في السعادة و الشقاوة هو اختلاف الاستعدادات و تنوّع الحقائق، فإن المواد السفلية بحسب الخلقة و الماهية متباينة في اللطافة و الكفافة، و أمزجتها مختلفة في القرب و البعد من الاعتدال الحقيقي، و الأرواح الإنسية التي بإزائها مختلفة بحسب الفطرة الأولى في الصفاء و الكدورة و القوة و الضعف، مترتبة في درجات القرب و البعد من الله تعالى؛ لما تقرّر و تحقّق أنّ بإزاء كل مادة ما يناسبها من الصور، فأجود الكمالات لأتمّ الاستعدادات، و أخسّها لأنقصها، كما أشير إليه بقوله (ع): «الناس معادن كمعادن الذهب و الفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الاسلام».
فلا يمكن لشيء من المخلوقات أن يظهر في الوجود ذاتاً و صفةً و فعلًا إلا بقدر خصوصية قابلية و استعداده الذاتي. هذا كلامه.
و لعلّه إليه يرجع كلام المحقق الهروي في المجلد الثاني من «كفاية الأصول»، حيث قال: فإنّه- يعني التجرّي- و إن لم يكن باختياره إلّا أنّه بسوء سريرته و خبث باطنه بحسب نقصانه و اقتضاء استعداده ذاتاً و إمكاناً، و إذا انتهى الأمر إليه يرتفع الإشكال و ينقطع السؤال ب- «لم»، فإنّ الذاتيات ضرورية الثبوت للذات، و بذلك أيضاً ينقطع السؤال عن أنّه: لم اختار العاصي و الكافر الكفر و العصيان، و المطيع المؤمن الإطاعة و الإيمان؟ فإنّه يساوق السؤال عن أنّ الحمار لم يكون ناهقاً و الإنسان لم يكون ناطقاً؟
و بالجملة: تفاوت أفراد الإنسان في القرب منه جلّ شأنه و عظمت كبريائه، و البعد عنه سبب لاختلافها في استحقاق الجنة و درجاته و النار و دركاتها، و موجب لتفاوتها في نيل الشفاعة و عدمها، و تفاوتها في ذلك بالأخرة يكون ذاتياً، و الذاتي لا يعلّل ... إلى آخره.
و الظاهر أنّ ما ذكره اللاهيجي في «گوهر مراد»[٢] أيضاً موافق لكلام الكاشاني، قال: اگر گويند: سبب چيست كه بيم عقاب در بعضى مردم سبب انزجار از قبيح شود، و در بعضى نشود
[١] - ١/ ١١٦.
[٢] -/ ٢٣٩.