صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٣٧ - المقالة العاشرة في السعادة والشقاوة و الطينة
بعض الكلام فيه في المباحث السابقة.
ثم إنّ ذاتية الشقاوة و السعادة أمر خيالي بحت لا واقع له أصلًا؛ إذ إن أريد بالذاتي ذاتي في باب الكلّيات ففساده أوضح من أن يخفى على عاقل، ضرورة أنّهما ليستا بجنس الإنسان، و لا بفصل له، مع أنّه يستلزم اختلاف السعيد و الشقي في الماهية و الحقيقة، كاختلاف الإنسان و البقر، و اختلاف الحيوان و النبات، و هو كما ترى.
و أن أريد به الذاتي في باب البرهان كإمكان الماهيات و زوجية الأربعة و نحوهما فيزيَّف بلزوم تساوي تمام الأفراد في السعادة أو الشقاوة، فإنّ حكم الأمثال فيما يجوز و ما لا يجوز واحد قطعاً، مع أنّ الواقع خلافه، فمنهم سعيد و منهم شقي، على أنّه يوجب استحالة سلب السعادة عن السعيد و الشقاوة عن الشقي، و الحال أنّ المحسوس خلافه، إذ الشقي العنود قد يصبح سعيداً رشيداً، و السعيد الصالح شقياً ضالّاً، و هذا الانقلاب يبطل ذاتية السعادة و الشقاوة بجميع معانيها، كما لا يخفى.
و على الجملة: تأثير التربية و توقّع الإصلاح و الإفساد و حسن التكليف و الجزاء عند العقلاء أدلة محكمة على أن الشقاوة و السعادة غير لازمبين للإنسان، فما ذكره هذا القائل بتمامه مختلّ الأساس و لا طائل تحته.
ثم نرجع و نُضيف: أنّا لا نعقل للسعادة و الشقاوة معنى غير ما يتحصل من الأفعال الصالحة و السيئة و يستنتج منها، فهما معلولتان للأفعال دون العكس، و إلّا لدار. نعم، لا غروة في استناد بعض الأفعال إليهما بعد تحققهما ببعض أفعال أخر منها.
بحث روائي:
في رواية أبي بصير- كما عن التوحيد[١]- عن أبي عبدالله (ع) في قول الله عزّ و جلّ: قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا؟ قال: بأعمالهم شقوا.
أقول: هذا نصّ فيما قلنا آنفاً من ترتب السعادة و الشقاوة على الأفعال دون العكس، فتبطل به ذاتية الشقاوة و السعادة من رأس.
و في حسنة منصور بن حازم أو صحيحته[٢]، عن أبي عبدالله (ع) قال: إنّ الله خلق السعادة و الشقاوة قبل أن يخلق خلقه، فمن خلقة الله سعيداً لم يبغضه أبداً، و إن عمل شرّاً أبغض عمله و لم
[١] - البحار ٥/ ١٥٧.
[٢] - أصول الكافي ١/ ١٥٢، الترديد من جهة محمد بن إسماعيل.