صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢١٩ - المقالة الثامنة في دلالة القرآن المجيد
يكون لفظياً كذلك يكون عقلياً، كما أنّ كلّاً منهما قد يكون متصلًا و قد يكون منفصلًا.
و المراد بالمتصل العقلي: وضوح حكم شيء عند العقل بحيث لو ألقي عام أو مطلق شامل له بحسب وضع اللغة، مخالف له في الحكم لم يكن للّفظ ظهور بالنسبة إليه، و لم يدل عليه بحسب ما هو المتعارف بين العقلاء في باب الإفادة و الاستفادة من الخطابات، بل العام المذكور ينصرف إلى غيره، فإذا قيل: أطعم كل أحد، و خذ كل شيء لا يشمل لفظاً الأحد و الشيء الواجب الوجود و الأموات و السحاب و الهواء و الشمس و القمر، و غير ذلك من الأمور الظاهرة عند العقل في أنّها لا تقبل الأخذ والإطعام، و هذا الظهور العقلي يضيّق دلالة اللفظ من الأول، فلا تتم إلا في غير الأمور المذكورة، و المقام كذلك، فإنّ استناد أفعالنا الاختيارية إلى إرادتنا و تأثير قدرتنا و لو في الجملة ضروري فلا ينعقد للآيات الشريفة ظهور بالنسبة إليها من الأول، فافهم جيداً. گ
و رابعاً: أنّه تعالى قال عن أفعاله: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ. و من الظاهر أنّ المعاصي و الآثام و قتل الأنبياء و الأولياء لا حسن فيها، بل فيها القبح كل القبح، فلا بد من الالتزام بمدخلية العبد في إيجادها حتى تتوجّه المعايب المذكورة إليه، لا إلى الله الحكيم العليم. و أيضاً أنّه تعالى قد مدح نفسه في تلك الآيات بعموم الخلقة مع انتفائه بخلق القبائح التي لا يرضى بها هو تعالى أيضاً.
و خامساً: أنّها معارضة بقوله تعالى: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ، فقد أخبر بوجود خالقين غيره.
و للرازي في تفسيره هذه الآية اضطراب عجيب، و كلام غريب، و لم يستطع هدم دلالتها أصلًا.
و بقوله تعالى حاكياً عن السامري: لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ، و بقوله حاكياً عن عيسى (ع) أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، و وجه الجمع خروج الأفعال الاختيارية عن خلقة الله تعالى التامة المستقلة.
و سادساً و هو الأقوى من مقام الجواب: أنّ تلك الآيات إنّما تنافي مذهب التفويض، لا ما عليه أهل الحق من الأمر بين الأمرين، فإنّ الأفعال صادرة عن فاعليها بما يفيض الله عليهم من إبقاء وجودهم و إعطاء القوة لهم في كلّ آن، و ليس للعبد إلا إبراز تلك القوة، فكما يصح استناد