صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٧٧ - التحطئة و التصويب
نعم، لو كان طالب المعرفة غافلًا عن هذه التوسعة أو ملتفتاً إليها، لكنّه لم يطمئن بصحتها؛ لعدم حجية مثل هذا الحديث في حق مثله، وجب عليه النظر بحكم فطرته.
فتحصّل: أنّ الموضوع للحكم الفطري- و هوالضرر المحتمل- تابع للحكم الشرعي في تحديده، إلا أنّ الحكم العقلي- هو وجوب شكر المنعم- لا يتبع الحكم الشرعي المذكور في حدوثه و بقائه، ضرورة عدم إمكان التخصيص في الأحكام العقلية، و لا شك أنّ ترك شكر المنعم قبيح و إن لم يطلبه المنعم من المنعم عليه. نعم، لونهاه عن شكر خاص لمبغوضيته عنده لقبح العقل إتيانه من المنعم عليه فإنّه إساءة لا إحسان و شكر للمنعم، و المفروض أنّ الشارع ما أبغض معرفته أصلًا، و إنّما لم يوجبها على غير البالغين. و العقل يلزم المميّژ الملتف على لزوم النظر إلى معرفة المنعم أداءً لشكر نعمائه، لكن لو ترك الشخص المذكور النظر عمداً يستحق الذم، و لا يستحق العقاب و الخلود، كما مرّ وجهه في أوائل الجزء الأول، و إنّما المصحّح للعقاب هو مخالفة الحكم الفطري دون العقلي.
هذا، و لكنّه لو تمّ لجرى في الفرعيات أيضاً و لا سيما بعد كون عبادات الصبي شرعية، و أنّه مكلف بالمستحبات، بل لازمه وجوب المستحبات على البالغين، فإنّ العبادة و امتثال أوامر المولى المنعم شكر له، و هو واجب على العبد المنعم عليه. هذا، مع أنّا ذكرنا فيما تقدم عدم استلزام وجوب الشكر لوجوب النظر، فافهم المقام.
و ممّا يدل على ما ذكرنا من عدم وجوب النظر و المعرفة على غير البالغ: الروايات الصحاح الدالة على تكليف الأطفال في القيامة الظاهرة في عدم تكليفهم في الدنيا، و سيأتي الكلام حولها في بعض قواعد هذا المقصد إن شاء الله.
فتحصّل من جميع ما مرّ: أنّ المكلف هو الحيّ العاقل القادر العالم البالغ.
و الشرط الأول عقلي فقط، و الأخير تعبّدي فقط، و ما توسّط بينهما عقلي و نقلي.
و الفاضل المقداد- في أوائل شرح الحادي عشر- خصّه بالإنسان، فعرّفه بأنّه هو الإنسان الحيّ البالغ العالم. لكنّه غير صحيح، فإنّ الجنّ أيضاً مكلفون، قال الله تعالى: وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ و قال: وَ لَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ ... إلى آخره، وقال تعالى حكاية عن لسانهم: وَ أَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَ مِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً* وَ أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً، و الآيات في ذلك كثيرة بل ربما قيل بأنّ لهم رسلًا من الله تعالى، مستدلًا بقوله تعالى: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ