صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٥٦ - المقام الرابع في موافقة حكم العقل لحكم الشرع
مجيبين حين استنكارنا عليهم: أنّ العورة كبقية أعضاء البدن!
المقام الرابع: في موافقة حكم العقل لحكم الشرع
قد ثبت أنّ ما حكم به العقل يحكم به الشرع، بمعنى أنّ إدراك العقل حسن شيء- مثلًا- يلازم إدراكه حكم الشارع به، و الحكمان متلازمان و معلولان للمصلحة الواقعية نفس الأمرية الكائنة في الفعل، و هو العقل أيضاً يحكم بما حكم به الشرع، أم لا؟ أنكره صاحب الفصول (قدس سره)؛ لوجوه ضعيفة كما أشرنا سابقاً، و الصحيح- و لعلّه مذهب المعظم- هو الأول، فالملازمة ثابتة من الطرفين.
نعم، حكم العقل بما حكم به الشرع حكم إجمالي، ضرورة عدم إحاطته دائماً بتمام الملاكات الواقعية، و المناطات نفس الأمرية التي تدور عليها أحكام الشرع، و لكنّه حيث أدرك أنّ أفعاله تابعة للمصالح و المفاسد و أنّ إرادته- سواء كانت تكوينية أم تشريعية- لا تنبعث إلا عن علل صحيحة؛ لبطلان الترجيح بلا مرجح، و ترجيح المرجوح على الراجح الواقعي لا جرم يجزم بأن كل ما يصدر عنه له ملاك و إن لا يدركه تفصيلًا، و لعل هذا هو مراد المحقق القمي في قوانينه[١]، حيث قال: إنّ كل ما حكم فيه الشرع بحكم لو اطّلع العقل على الوجه الذي دعا الشارع إلى تعيين الحكم الخاص في ذلك الشيء لحكم العقل مواقفاً له، فافهم.
و لبعض المحققين الأعلام كلام في المقام لا بأس بنقله، قال (رحمه الله)[٢]: إنّ الحكم الشرعي لا يكشف عن المصلحة و المفسدة إلا إجمالًا، فلا يعقل الحكم من العقل بحسنه أو قبحه تفصيلًا، و أمّا الحكم بحسنه أو قبحه إجمالًا بأن يندرج تحت القضايا المشهورة بقسميها فلا دليل عليه؛ لأنّ المصالح و المفاسد التي هي ملاكات الأحكام الشرعية المولوية لا يجب أن تكون من المصالح العمومية التي يحفظ بها النظام و يبقى بها النوع، كما أنّ الأحكام الشرعية غير منبعثة عن انفعالات طبيعية من رقة أو حمية أو أنفة أو غيرها، و لا ملاك للحسن و القبح العقليين إلّا أحد الأمرين.
نعم، العقل يحكم بأنّ الأحكام الشرعية لم تنبعث إلا عن حكم و مصالح خاصة راجعة إلى المكلفين بها، فالحكم بالعلّة لمكان إحراز المعلول أمر، و الحكم بالحسن و القبح العقلائيين أمر آخر. هذا هو الحق الذي لا محيص عنه، بناءً على ما عرفت من حقيقة الحسن و القبح العقليين، و أنّ قضيتهما داخلة في القضايا المشهورة، لا القضايا البرهانية، و أنّ حقيقتهما بلحاظ توافق
[١] - قوانين الأصول ٢/ ٤.
[٢] - نهاية الدراية ٢/ ١٣١- ١٣٢.