صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٩٥ - الضابطة الثالثة في انحصار العبادة له تعالى
خَلَقَهُنَ[١]، و قد أجمع المسلمون عليه أيضاً[٢].
و على الجملة: أنّ الخضوع على أنحاء:
فمنها: الخضوع بنحو التديّن و التألّه، و هذا النحو مختصّ بالله سبحانه، و لا يجوز إشراك أحد غيره فيه، و من أشرك فيه غيره- و لو كان هذا الغير رسولًا كريماً- كان خارجاً عن الإسلام و داخلًا في زمرة المشركين.
قال الله تعالى: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَ لا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَ لا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ[٣]، و قال تعالى: وَ قَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ[٤]، و قال تعالى: إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَ كُلٌّ فِيها خالِدُونَ[٥].
و منها: الخضوع بنحو التدين دون التألّه، و هذا كما في خضوع الناس للأنبياء و الأوصياء (عليهم السلام)، بل للعلماء. و هذا جائز بلا إشكال، كيف و قد أمر الله الناس بخضوعهم لوالديهم كما في القرآن: وَ اخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ[٦]، فتأمل.
و في الحقيقة أنّ هذا الخضوع لله تعالى؛ لأنّه يقع من المكلف بأمر الله تعالى، و لا داعي له في ذلك سوى امتثال أمره و الإتيان بحكمه، فالخضوع للأنبياء و الأولياء و إن كان عن تدين و جعله شعاراً إلا أنّه ليس بنحو التألّه و اتخاذهم آلهةً و معبودين مستحقين للعبادة ذاتاً، بل لأجل تعيين الله إيّاهم و فرضه طاعتهم علينا، فبين الطاعتين فرق، و لعله من أجل هذا الفرق كرر كلمة «أطيعوا» في قوله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ[٧]، فكأنّ الآية مخبرة بأنّ طاعة الله تغاير طاعة الرسول و الولي، و يدخل في هذا القسم سجود الملائكة لآدم (ع) على الأظهر.
نعم، لو كان الذي يخضع له تديناً غير منصوب من قبل الله تعالى يكون الخاضع له مشرّعاً
[١] - فصلت ٤١/ ٣٧.
[٢] - أمّا ما نسب إلينا من جواز السجود لقبور أئمتنا و لتربة قبورهم فهو افتراء جلي و كذب علني علينا، وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ و بالجملة: نحن نسجد على التربة الحسينية لا لها، بل لله تعالى.
[٣] - آل عمران ٣/ ٦٤.
[٤] - الإسراء/ ٢٣.
[٥] - الأنبياء/ ٩٩.
[٦] - الإسراء/ ٢٤.
[٧] - النساء ٤/ ٥٩.