صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢١٧ - المقالة الثامنة في دلالة القرآن المجيد
المقالة الثامنة: في دلالة القرآن المجيد
استدلّ المجبّرة و المفوّضة القدرية بجملة كثيرة من الآيات المباركة القرآنية على إثبات الجبر و التفويض، حتى تمسّكوا بآية واحدة لتصحيحهما، و لهم كلمات عجيبة غريبة في مقام النقض و الإبرام و الدفع و الإيراد، كما يفهمها من لا حظ تفسير الرازي الجبري.
و اعلم أنّه لا دلالة للقرآن- و لو ضعيفة- على التفويض أصلًا، بل الآيات الشريفة تبطله، مثل قوله تعالى: وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، و قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ، و غيرهما.
و أمّا الآيات الدالة على الاختيار و إسناد الأفعال إلى العباد، أو على ما يتوقف على الاختيار كالآيات الدالةعلى التكليف و الوعد و الوعيد و أمثالها فلا مساس لها بالتفويض؛ لعدم الملازمة بينهما، بل هنا أمر آخر- و هو الأمر بين الأمرين- يحقق الاختيار، و لا يستلزم التفويض، فهذه الآيات الكريمة و إن تبطل بالجبر لكنّها لا تثبت التفويض؛ لإمكان نظارتها إلى الأمر بين الأمرين.
و أمّا الآيات الدالة على بطلان الجبر فكثيرة جداً، بل القرآن من أوّله إلى آخره- سوى بعض آياته- يدلّ على الاختيار و بطلان الجبر و الاضطرار، فقولنا: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم[١]، و بسم الله الرحمن الرحيم، لا يتمّ إلا على القول بالاختيار؛ إذ لا معنى للاستعاذة عن فعل الله تعالى بالله؛ و ذلك لأنّ إغواء الشيطان بناءً على مذهب المجبّرة من فعل الله و خلقه فكيف يعوذ العبد منه؟! و أين معنى الرحمة و هو يعذب عباده على ما يخلق فيهم بمحض إرادته النافذة؟! و كذا لا يصحّ قولنا: ... من شرّ الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس. فإنّ حال الخنّاس في وسواسه كحال السكّين في قطعه رأس أحد! و إنّما الفاعل هو الله تعالى، بل الصحيح أن يدّعى حينئذٍ هكذا: أعوذ من شرّ الله تعالى الذي يوسوس ... إلى آخره! (نعوذ بالله من هذا القول). بل عرفت أنّ أساس التشريع و أصل إنزال الكتب و إرسال الرسل مبنيّان على الاختيار و عدم الاضطرار، و معه لا يحسن أن نذكر الآيات الدالة على الاختيار و بطلان الجبر كما ذكرها الأصحاب و بوّبوها أبواباً، و إنّما المهمّ أن نتعرض للآيات التي تخيّلها المجبّرة- الجهمية و الأشعرية- دلالتها على الجبر، و أن نبيّن وجه خبطهم و غلطهم، و في ذلك فوائد مهمة.
[١] - كما نقرؤه امام القراءة و في التنزيل: فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ ....