صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٢٧ - المقالة الثامنة في دلالة القرآن المجيد
قَلْبَهُ، و منها قوله: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ، و منها قوله: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ، و منها قوله: وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ. إلى غير ذلك من الآيات.
هذه المراتب كلها مختصة بالمؤمنين، و لا حظّ منها لغيرهم، كما يظهر من هذه الآيات و غيرها، مثل قوله: وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ و قوله: وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، و قوله: وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ.
و هذه الهداية هي الرحمة الرحيمية التي تقدم اختصاصها بالمؤمنين في الجزء الأول، و كلّ ما قرب العبد من ربّه كان نصيبه أوفر منها.
فتحصّل: أنّ الهداية هي الألطاف المذكورة، و تركها و تخلية العبد و عمله هو الإضلال، و أنت إذا أحطت بما ذكرنا خبراً تعلم أنّ جملةً كثيرةً من الآيات المتضمنة لنسبة الإضلال إليه تعالى ظاهرة في هذا المعنى، و لا محذور فيه أصلًا، فإنّ العبد بعد ما تمرّد عن امتثال أوامر الله و نواهيه، و صار في مقام العصيان لا يستحق مزيد العناية بألطاف مانعة (منعاً غير تام) عن الضلالة و الشقاوة، فيخلّي الله بينه و بين ما يريد فيضلّه.
و الظاهر أن إضلاله تعالى- في معظم تلك الآيات الكريمة- بهذا المعنى، كما يتضح لمن لاحظها و تدبّر فيها، و إليك ذكر بعضها، كقوله تعالى: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ* وَ يَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ. و ذيل الآية و هو قوله: وَ يَذَرُهُمْ ... أقوى شاهد على مرادنا، و كقوله: وَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ، قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ فيكون الذي أضلّه الله غير من أناب إليه.
ثم إنّ الإضلال ربّما جاء بمعنى الإهلاك، و عليه حمل قوله تعالى: فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ،