صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٦٤ - فذلكة
شيء منها، بل جاز اتصافه في كلّ منها، لا بدلًا فقظ، بل و معاً أيضاً، و جواز اتصافه به في كلّ منها معاً هو إمكان اتصافه بالوجود المستمر في جميع أجزاء الأزل بالنظر إلى ذاته، فأزلية الإمكان مستلزمة لإمكان الأزلية ... إلى آخره.
قلت: وجود الممكن أزلًا غير ممكن؛ لاستلزامه تحصيل الحاصل أو استغنائه عن العلة، كما قررناه في مسألة حدوث العالم، و كلا الأمرين محال باضرورة، فالأشياء في الأزل ممكنة بالإمكان الذاتي، لكن لا يمكن و قوعها لاستلزامه المحال المزبور.
الثاني: أنّ صفاته- تعالى- كمال، فخلوه عنها نقص، و النقص عليه محال إجماعا، فلا يكون شيء من صفاته حادثاً.
قال العالمة (قدس سره)[١]: و لأنه إن كان صفة كمال استحال خلو الذات عنه، و إن لم يكن، استحال اتصاف الذات به.
أقول: هذا الاستدلال يتقوّم بأمرين:
١- استحالة النقص عليه، و سيأتي بحثها في المطلب الآتي.
٢- أنّ كلّ ما يحلّ به تعالى لابد و أن يكون كمالًا.
أقول: فإن قال الخصم بحلول ما يصدر عنه تعالى اختياراً به فلا دافع عنه، فإنّ الكمال في الأفعال هو حسنها و كونها ذات مصالح، ومن المعلوم المتفق عليه أنّ مثل هذا الكمال لايستلزم قدم الكامل، كيف و جميع أفعاله الحادثة كمال بهذا المعنى؟
بل يمكن أن يقال: أنّه لا يلزم أن تدوم كمالية الحال ليجزي عليه هذا السؤال؛ لاحتمال كونه كمالًا وقت حلوله لا قبله، ألا ترى أنّ الغضب كمال لناحين الدفاع عن الناموس أو المظلوم؟ و ليس كذلك قبله، فمجرد خلوه عن كمال لا يوجب اتصافه بالنقص.
و ربما يقال[٢] أيضاً: لِمَ لا يجوز أن يكون ثمّة صفات كمال متلاحقة غير متناهية لا يمكن بقاؤها و اجتماعها، و كل لا حق منها مشروط بالسابق على قياس الحركات الفلكية عند الحكماء، فلا ينتقل حينئذٍ عن الكمال الممكن له إلّا ألى كمال آخر يعقبه، و لا يلزم الخلو عن الكمال المشترك بين تلك الامور المتلاحقة، و أمّا الخلو عن كل واحد منها فإمّا لامتناع بقائه و لا نسلّم امتناع الخلو عن مثله، و إنّما الممتنع- و هو الخلو عن كمال- ممكن بقاؤه. و أمّا لأنّه لو لم يخل لم يمكن حصول غيره، فيلزم حينئذٍ فقد كمالات غير متناهية، فكان فقد كل واحد لتحصيل كمالات غير متناهية هو الكمال باحقيقة.
[١] - شرح التجريد/ ١٨١.
[٢] - شرح المواقف ٣/ ٢٩.