صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٢١ - المقالة الثامنة في دلالة القرآن المجيد
أقول: قد تقدم في الجزء الأول: أنّ للإرادة معنيين.
١- الإيجاد و الإفاضة.
٢- ذكر الأشياء في اللوح.
و مرّ أيضاً أنّ جميع الأشياء قد ذكرت في اللوح، و تعلّق المشيئة بهذا المعنى بعموم الأشياء ممّا لا ربط له بالجبر أصلًا، بل حاله حال علمه بها في أنّه كاشف، لا سبب كما مرّ، لكنّ حمل المشيئة المذكورة في الآيات على هذا المعنى خلاف الظاهر.
و الحقّ أن يقال: إنّ إرادة الله تعلّقت بكل شيء حتى بالأفعال الاختيارية من دون أن يستلزم الجبر! إذ الواجب يفيض على الممكن في بقاء وجوده و صدور أفعاله آناً فآناً، سواء في حال صلواته أم في حال زناه، كما بيّناه سابقاً، و إرادته ليست إلا إفاضته، كما قرّرناها في الجزء الأول، فثبت أنّ الجميع مراد له، و الكلّ من عند الله تعالى. لكنّها مرادة له بالإرادة التكوينية؛ لأنّ الله تعالى أراد وقوع ما يختاره العبد في الخارج، و هذا بعد الإحاطة بما مضى واضح بحمد الله تعالى.
فمذهب الإمامية غير موقوف على تأويل الآيات الكريمة و هدم ظواهرها كما يتوقف عليها بناء الجبر و القدر، بل القائل بالأمر بين الأمرين يرى توافق الآيات في هذا الباب، و هذا من ألطف الأمور و أعجب الرموز، فتبصّر و كن على بصيرة من موقفك.
و في رواية الفضيل، عن الصادق (ع)[١]: «شاء و أراد، و لم يحبّ و لم يرض ...» إلى آخره.
و أمّا تعلق إرادته تعالى بأفعالنا على نحو تعلّقها بأفعاله فهو واضح الفساد، فإنّه من محض التناقض و صرف التهافت، كما قرّرناه في المقالة الثالثة، فلاحظ.
ثم إنّ في بعض الروايات[٢]: «إنّ الله جعل قلوب الأئمة مورداً لإرادته، فإذا شاء الله شيئاً شاؤوا، و هو قوله: وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ.
أقول: و هذا مقام عالٍ لا يتيسر لأحد غيرهم سلام الله عليهم، و هو اختيار محض في صورة الاضطرار، و لعلّه المراد بقول حافظ:
|
در پس آئينه طوطي صفتم داشتهاند |
آنچه استاد ازل گفت بگو، آن گويم |
|
الطائفة الثالثة: ما دل على أنّه تعالى يضلّ من يشاء و يهدي من يشاء، و هذا القسم أكثر من
[١] - البحار ٥/ ٥١.
[٢] - البحار ٥/ ١١٤، و تفسير البرهان ٤/ ٤٣٥.