صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢١١ - المقالة الخامسة في مذهب الحكماء
- و هو علّة قريبة، غير ضائرة أن ثبت تجسّم العمل.
الثاني: وجود الجنة و النار فعلًا و قبل هذا، بل قبل وجود المكلفين، كما يستفاد من جملة من الآيات و الروايات، و سيأتي تفصيله في المقصد الثامن إن شاء الله.
وجه الدلالة: أنّ النشأة الآخرة بعد لم تبرز حتى تتجسّم الأعمال فيها، بل لم يوجد أعمال جميع المكلفين في هذه النشأة أيضاً، فكيف وجدت الجنة و جهنم فعلًا مع أنّهما مجسّم الأعمال الصالحة و الطالحة؟
ثم إنّ هذه الدعوى إن تمّت لتمّت في خصوص العقاب الأخروي[١]، و أمّا العقاب الدنيوي كما في الحدود فلا مسرح لها، كما لا يخفى، و لا أدري ما هو الوجه عندهم لاستحقاق قتل القاتل بقتل المقتول، مع أنّ القاتل المجبور لا ذنب له؟!
و لعمري إنّ حديث التجسم بنحو العموم بحيث تكون الجنة و النار و ما فيهما مجسّمة أعمالنا من مادة أخرى مخلوقة لله تعالى مقطوع البطلان بلحاظ دلالة القرآن.
نعم، لا مانع من الالتزام به في الجملة من جهة قوله تعالى: وَ وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً، و بشهادة قوله: وَ لا يَظْلِمُ. و من جهة الروايات إن صحت سندا.
الأمر الثاني: في تصحيح العقاب به على تقدير تماميته، فنقول: العمل الصادر من العبد إمّا علة تامة لإفاضة الصورة من قبل الله تعالى، بحيث لا يمكن التخلف عنه، أم لا، بل الإفاضة باختيار الواجب و إرادته، و على كلا التقديرين فلحوق المجسّم المذكور بالعامل إمّا ضروري لا يمكن انفكاكه عنه، و إمّا ممكن و تابع لإرادة الله تعالى. هذه احتمالات أربعة، أحدها باطل قطعاً، و هو فرض أنّ العمل علة تامة لإفاضة الصورة، و كون لحوقها بالعامل ضرورياً.
وجه البطلان: أنّ الشفاعة و التوبة و العفو الإلهي ممّا يسقط الذنوب بلا إشكال، و الاحتمال المذكور لا يجامع سقوط الذنب على الفرض، فيكون باطلًا قطعاً. و أيضاً قد تقدم- في محلّه- أنّ الله فاعل مختار يمكنه الفعل و الترك، و المستفاد من الآيات الكثيرة أنّ العذاب و الثواب بإرادة الله و مشيئته. فبطلان هذا الاحتمال فليكن مفروغاً عنه. (فافهم).
و أمّا بقية الاحتمالات فكلّ منها ثبت بالدليل لا يمكن أن يندفع به إشكال العقاب؛ إذ يقال: إن صدور الفعل عن العبد ضروري قهري غير داخل تحت اختياره فكيف يعذّبه الله تعالى عليه، مع أنّه مختار و متمكن من دفعه عنه؟! و لا جواب عنه أبداً.
و ما تقدم من بعضهم من أنّ العمل مادة مستعدّة و مستحقة لإفاضة الصور، و الله واهب يهب
[١] - بأن يدعى أنّه جزاء طبيعي لا وضعي.