صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٨٤ - بقي في المقام مسائل
أفراد هذا النوع، أو المكث مؤقتاً كما في حقّ غيرهم- لحفظ النظام الاجتماعي المؤقت ممّا لا يقبله عاقل كما تقدم، على أنّ إنفاذه في القيامة ممّا لا داعي إليه؛ لانقضاء النظام المذكور بفناء الدنيا و حلول الآخرة. هذا، مع أنّ حفظ النظام الاجتماعي غير موقوف على هذا المقدار من العذاب الشديد، بل يكفيه ما هو أقلّ منه و أخفّ بمراتب، كما يشاهد في أنظمة الدول الكافرة الحاضرة، فتبصّر. و أمّا سرّ التكليف العام مع القطع بعدم التأثير فقد مرّ منّا جوابه.
و أجيب ثالثاً: بأنّ جعل التخويف في العاجلة و إجراءه في الآجلة ليس له غرض سوى ذاته تعالى، فإنّه تعالى غاية الغايات.
و بكلمةٍ أوضح بياناً: معروفية ذاته بتمام أسمائه هي الغاية لجميع أفعاله التي هي أنواع تجلّياته و ظهوراته، فظهور اسم الهادي و المرشد و الدليل هو المقتضي لجعل الأحكام، و تأكيد الدعوة بحكمته و عنايته هو المقتضي لجعل العقاب، و كونه عادلًا و شديد العقاب هو المقتضي لإجراء العقاب، ذكره بعض أعاظم العلماء. و قيل: إنّه مذهب جماعة من الصوفية.
أقول: قد عرفت تحتّم تبعية أفعاله للغرض، و أمّا هذا المسلك فسوف نفنّده في القاعدة الآتية إن شاء الله.
و رابعاً: بأنّ المخالفة و العصيان يقتضي استحقاق العقاب عقلًا، إذ هي هتك لحرمة المولى، و خروج معه عن رسوم العبودية و مقتضيات الرقّية، و هو ظلم خصوصاً على مولى الموالي، فالعقل هو المخوف على المخالفة، و اختيار العقاب فيما لا مانع منه من توبة أو شفاعة مثلًا ممّا تقضية الحكمة الإلهية.
أقول: لا شك أنّ مخالفة المولى ممّا يوجب استحقاق العقاب- في الجملة- عقلًا، لكنّ الكلام في إنفاذه يوم القيامة من قبل الغني الرحيم، فإنّ العفو في غير موارد حقوق الناس أولى بلا ريب، فما هو الموجب لإجرائه و إنفاذه؟ و الحال أن كونه عادلًا و شديد العقاب، لا يسلب اختياره.
ثم إنّ هنا وجوهاً أخر ذكرها المحدّث الحرّ العاملي (رحمه الله) في رسالته المؤلّفة لذلك، لكنّها بأسرها غير قابلة للاعتماد عليها[١].
و أمّا الخلود فقد ورد سرّه في رواية أبي هاشم[٢]، قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الخلود في الجنة و النار؟ فقال: «إنّما خلد أهل النار في النار لأنّ نيّاتهم كانت في الدنيا لو خلدوا فيها أن يعصوا الله أبداً، و إنّما خلد أهل الجنة في الجنة لأنّ الجنة نيّاتهم كانت في الدنيا لو بقوا أن يطيعوا الله أبداً
[١] - لاحظ مصابيح الأنوار/ ٣١٨.
[٢] - البحار ٨/ ٣٤٧.