صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٠٦ - المقالة الخامسة في مذهب الحكماء
و أمّا ما في «الأسفار» و «گوهر مراد» من نسبة هذا القول إلى جملة من علماء الإمامية فهي غير ظاهرة حتى من المحقق الطوسي (قدس سره) فإنّه قابل للحمل على ما اخترناه، فافهم جيداً.
قال العلامة المجلسي في مرآة العقول[١]: إنّ هذا المذهب الذي نسبوه إلى الحكما من أنّ العلة القريبة للفعل الاختياري إنّما هو العبد و قدرته، لكن قدرته مخلوقة لله تعالى، و إرادته حاصلة بالعلل المترتبة منه تعالى، قول بعضهم، و قال جمّ غفير منهم: لا مؤثر في الوجود إلا الله، و موجد الأفعال هو الله سبحانه ... إلى آخره.
تعقيب و تنقيد:
هذا القول- كقول الجهمية و الأشعرية- ينافي العقاب من الله الحكيم العادل على الجرائم، فلذا حاول أربابه تصحيح العقاب عليه، و ذكروا في بيانه وجهين:
الأول: ما ذكره المحقق الهروي في كفاية الأصول[٢]: أنّ حس المؤاخذة و العقوبة إنّما يكون من تبعة بعده بعده عن سيده ... فكما أنّه- أي التجرّي- يوجب البعد عنه كذلك لا غرو في أن يوجب حسن العقوبة، فإنّه و إن لم يكن باختياره إلا أنّه بسوء سريرته و خبث باطنه، بحسب نقصانه و اقتضاء استعداده ذاتاً و إمكاناً ...
و بالجلمة: تفاوت أفراد الإنسان في القرب منه- جل شأنه و عظمت كبريائه- و البعد عنه سبب لاختلافها في استحقاق الجنة و درجاتها، و النار و دركاتها، و موجب لتفاوتها في نيل الشفاعة و عدمها، و تفاوتها في ذلك بالآخرة يكون ذاتياً، و الذاتي لا يعلّل!
ثم قال: إن قلت: على هذا فلا فائدة في بعث الرسل و إنزال الكتب و الوعظ و الإنذار. قلت: ذلك لينتفع به من حسنت سريرته و طابت طينته؛ لتكمل به نفسه ... و ليكون حجة على من ساءت سريرته و خبثت طينته. انتهى. و قد ذكر قريباً منه في موضعين آخرين من كتابه متناً و هامشاً.
أقول: العقاب على العمل المعلول لنقص الاستعداد الذاتي ظلم محض لا يقبله عقل أحد، و لا يصير التكليف و الوعد و الوعيد حجة على مثله، كما لا يصير حجة على الأربعة بانتزاع الزوجية عن نفسها! بل هو من اللغو المحض.
و أمّا حديث ذاتية السعادة و الشقاوة فسيأتي إبطاله إن شاء الله.
و بالجلمة: هذا الكلام بعد إثبات الحسن و القبح و إثبات عدل الله و حكمته لا يحتاج إلى
[١] - ١/ ١١٣.
[٢] - حقائق الأصول ٢/ ١٦.