صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٩٦ - هل الإمامة شرط في صحة الأعمال، أو لا؟
لأجله موقوف على كونه أصلح في نظام الكل، لا على كونه أصلح للمكلفين وحده، كما أشرنا إلى ذلك في القاعدة السادسة أيضاً و أنّى لنا إحراز ذلك؟ و عليه فلا سبيل لنا إلى الجزم بوجوب التكليف المزبور على الله سبحانه، فتأمل جيداً[١].
٥- ما ذكره جماعة من أصحابنا المتكلّمين من: أنّ الله تعالى جعل في الإنسان شهوةً إلى القبائح، و نفوراً عن الحسن، فلو لم يكلفه و لم يوعده المؤاخدة على الإخلال بالواجب و فعل القبيح لكل مغرياً بالقبيح، و لا شك في قبح الإغراء بالقبيح، فيكون التكليف واجباً، و هذا هو مراد المحقق الطوسي (قدس سره) من عبارته في التجريد: و واجب لزجره عن القبائح.
أقول: و هذا أمتن الوجوه و أحسنها، ألا ترى أنّه إذا فرض إلغاء الحكومات الفعلية المتعارفة، أو رفع قانون المؤاخذة و السجن من بين الناس لم يبق للسوق نظام من ساعة.
نعم، لقائلٍ أن يقول: إنّ العلم بقبح القبائح و إن لم يكن كالتكليف رادعاً عن تركها، لكنّه يكفي لمنع نسبة الإغراء إلى الله تعالى، فإنه تعالى كما جعل في العبد شهوة الى القبائح كذلك جعل فيه العقل و العلم بالقبائح، فارتكابه لها إنّما هو بسوء اختياره، و هذا واضح، إلّا أن يقال بالعلم الإجمالي بقبائح أخرى غير ما نعلمه تفصيلًا، و الاجتناب عنها موقوف على التكليف الشرعي، كما قال تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ، لكنّ لزوم البيان عليه في هذا الفرض إنّما هو بالنسبة إلى من يمتثل التكليف بعد وصول البيان؛ إذ لا قبح في ترك إرشاد من لا يسترشد بالإرشاد، كما لا يخفي.
و الإنصاف: أنّ جميع هذه الوجوه لا يفيد الجزم بوجوب التكليف عليه تعالى، فلم يقبح منه لو لم يكلف عباده بشيء. نعم، ما حكم به العقل يحكم به بالشرع لا محالة، كما مرّ وجهه مفصّلًا[٢] أضف إلى ذلك. و أقول: إنّ التأمل في وضع التشريع يعطي عدم وجوبه على الله تعالى، و إلّا لزم إخلاله تعالى بفعل الواجب و هو باطل عقلًا و اتفاقاً.
بيان الملازمة: أنّ إيصال الأحكام إلى الناس تمّ على نحو المتعارف و الأنبياء الكرام
[١] - و لذا لم يصل دين الحق إلى أكثر الناس بالحجة المعتبرة، و معظم الناس في النبوّة من الجاهلين القاصرين، كما مرّ في المقدّمة.
[٢] - ربّما يستدلّ على وجوب إنزال الدين لعدم امكان علم الإنسان بما يوجب كما لم الروحي و العدالة الاجتماعية في الحياة الحاضرة، و ربّما يستدلّ بأن الدين واجد لضمانية العمل و لمخالفته الهوى لأجل الاعتقاد بالمعاد، عند معظم المكلّفين و لأجل الاعتقاد بالله تعالى عند جمع من الصلحاء. و أن فرض الإنسان قادر أعلى فهم ما يوجب سعادته في الدارين. أقول: كلاهما محسن للتكليف الشرعي بلا تردّد.