صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٩٤ - هل الإمامة شرط في صحة الأعمال، أو لا؟
فما هو السبب في عقابه؟
قلت: أمّا أولًا فلأنّ الوعيد بالعقاب يؤكد و ينفّذ التكليف، و يحمل الناس على الانقياد له. و أمّا ثانياً فلأنّ العقاب من لوازم العصيان و مخالفة أمر المولى، لا لأجل مدخليته في اكمال الإنسان، و لذا يختصّ بصورة العمد و الاختيار دون الجهل و الاضطرار.
و على الجملة: الثواب و العقاب بمراتبهما ليسا تابعين لمراتب المصلحة و المفسدة، بل هما تابعان لمراتب الانقياد و التجرّي على أحكام المولى الأمر.
نعم، مراتب التجرّي تختلف باختلاف مراتب الاهتمام المختلفة باختلاف مراتب المصلحة و المفسدة، و أمّا مراتب الانقياد فتختلف باختلاف مراتب المشقّة، فزيادة العقاب تدل على تأكد المصلحة الفائتة و المفسدة المرتكبة، و أمّا زيادة الثواب فلا تدل عليه. نعم، الوعد بزيادة الثواب يدل على مزيد الاهتمام الناشئ عن زيادة المصلحة، و لكن لا يبعد إلحاق الثواب بالعقاب في دلالة زيادته على تأكد الملاك و عدم تأثير المشقة فيه، فتدبر[١].
المقام الثاني: في التكليف على الله تعالى، و هو ممّا اتفق عليه العدلية كما في شرح «قواعد العقائد»[٢]، بل عليه ضرورة الشرائع و الأديان و الإجماع المحقّق كما في «كفاية الموحّدين».
أقول: الإجماع ليس بدليل مستقل يعتمد عليه؛ لأنّ العدلية اتفقوا عليه من جهة قواعدهم العقلية، فلا بد من النظر فيها، و أمّا دعوى الضرورة فهي عجيبة، فإنّ الضرورة الدينية قائمة على صدور التكليف من الله عباده، لا على وجوب التكليف عليه كما هو ظاهر، فلا بد من النظر في أدلتهم، و قد استدلوا بوجوه:
١- إنّ التكليف مشتمل على اللطف، و اللطف واجب عليه تعالى، ذكره العلامة في شرح قواعد العقائد.
أقول: إن أراد باللطف بيان الأحكام و المصالح و المفاسد فالدليل مصادرة، و إن أراد به ما يقرّب العبد إلى الطاعة و يبعّده عن المعصية ففيه منع الصغرى و الكبرى، أمّا الصغرى فلأن اللطف بهذا المعنى متأخر عن أصل التكليف و مسبوق به، و لا يعقل تحققه قبله، فكيف يحكم بلزوم التكليف لأجله؟ و قد تقدم تفصيله، و هو أيضاً قائل بذلك. و أمّا الكبرى فقد أسلفنا عدم تماميتها.
٢- إنّ التكليف لطف في الأحكام العقلية، و اللطف واجب، ذكره اللاهيجي.
[١] - مرّ عدم استحقاق العبد المنقاد لسيدة المالك الخالق لشيء من الثواب، لكنّه يستأهل له بمرتبة.
[٢] -/ ٦٨.